السَّاكن الجديد
في بناية وسط مدينة صغيرة عاشت أمُّ محمود،
وكانت هذه المرأة تحاول ربط خيوط اللُّعبة بيدها، فكانت كلّ يوم تجمع جاراتها في حديقة بيتها فهو طابق أرضي، وقد اختارته لتجعل منه منصة تطلق منها قدراتها الكامنة، فلا زواج ولا طلاق ولا ولادة وحتَّى ولو كانت هناك وليمة تقام في المدينة إلَّا وكانت على قائمة المباحثات الصَّباحيَّة عند أمِّ محمود، الَّتي كانت تعشق القيل والقال، وتحبُّ الخوض في أمور أهل البناية ومشاكلهم وحتَّى في أعراضهم إن اقتضى الأمر، هي ذات لسان طويل وحادٍ كسكين شحذت حديثاً، تخشى سلاطته أكثر نساء الحي والمدينة.
صباحاً سمعت جلبة عند مدخل البناية، لمْ تنتظر أن تلبس ملابس الخروج بل وضعت غطاء الرَّأس وخرجت بثياب البيت لتستطلع ما يجري، فليس منطقياً ولا طبيعياً أن يحدث أمر دون أن تدري به.
سألت أوَّل رجل رأته يحمل كرسياً إلى أين أنت ذاهبٌ به، ردَّ عليها أنَّه صاعدٌ إلى الطَّابق الثَّالث فقد سكنت عائلة أبي علاء فيه، ومن هو أبو علاء هذا؟
لا أعرف يا سيِّدتي فأنا مجرد عامل على سيَّارة شحن.
كم أنت غبي أيُّها الرَّجل كيف لك أن تأتي وتعمل لدى أُناس لا تعرفهم، حقاً أنت غبي قالت في نفسها.
تركته وخرجت إلى الشَّارع لتجد من يردُ على أسئلتها ويُسكت تطفلها، ولكن لم يهتم لأمرها أحد.
رجعت إلى بيتها والحيرة تأكل قلبها، فكيف لأمِّ محمود مختارة الحارة أن يمرَّ عليها هكذا أمر دون أن تدري به قبل الآخرين!! ترى من هو السَّاكن الجديد !!!عائلته معه أم سيسكن بمفرده!!! وإن كانت فكم عددهم أفرادها !! وماذا يعمل الرَّجل!! والمرأة تعمل أمْ ربة بيت!!! كل هذه الأسئلة مرَّت بخاطرها، آاااه لو لم يكن هذا العامل غبياً لما تركني في حيرة من أمري، ولكنِّي سأعرف قبلهم كلِّهم فأنا أمُّ محمود.
وقفت وراء الباب المغلق وهي تتلصص من العين السَّاحرة عند سماعها لأية حركة إلى أن رأت امرأة قدَّرت أنَّها لا تتجاوز العقد الرَّابع وأنَّها السَّاكنة الجديدة، تركت مرصدها وأسرعت نحو المرأة.
مرحباً أنا أمُّ محمود وأسكن هنا منذ خمس عشرة سنة، وزوجي يعمل بالتِّجارة وأولادي كلُّهم مسافرون، ولي بنتان متزوجتان ولكنَّهما يسكنان في مدينة أخرى، ولهما أحفاد، آااااه لو تعلمين كمْ وهبوا من الجمال، وأنا عندما كنت شابة خطبني زوجي رفضته بالبداية هل تعلمين لِمَ؟ لمْ تردَّ المرأة عليها فقد تفاجأت بهذه المتطفلة الغبية، وتابعت: عندما خطبني زوجي وجاء أوَّل مرة لم يحضر لي وروداً فرفضته فوراً، ولكن بعد أن أُزيل سوء التَّفاهم قبلت به، وبيني وبينك الأمر فأنا لا أريد أن يعرف أحداً أسراري، فقد أحببته وأنجبت منه خمسة أولاد، كلُّهم رائعون، هل تعرفين أنَّهم عندما كانوا صغاراً شيَّبوا شعر رأسي، آااااه كمْ تعذبت بتربِّيتهم، كانوا عنوناً للشقاوة، كنت أركض وراءهم صباحَ مساءَ، ولا أنام إلَّا قليلاً ، لو تعلمين كمْ أصابتهم الأمراض!! وكمْ سهرت اللَّيالي بجانبهم، ولكن والحقُّ يقال عندما أصبحوا شباباً وشابات قدَّروا عملي، هل تعلمين أنَّهم في صباح كلِّ يوم يتكلَّمون معي عن طريق وسائل التَّواصل الاجتماعي، فأنا راضية عنهم إلى أبعد الحدود، ولكن أحياناً زوجي يضيق بهم ذرعاً، بسبب غيابهم الطَّويل عنه، الله يرضى عنهم ويوفقهم فهم مثال للأولاد الصَّالحين، أما أزواجهم وزوجاتهم فأنا لست راضية عنهم، ولا أريد أن أطيل الشَّرح ففي قادم الأيام لنا جلسات وجلسات، ولكن انتبهي، أريد أن أسرَّ لك ببعض الأمور المهمة عن وضع البناية وأهلها، انظري خلفك هنا تسكن جارتي أمُّ وجدي هي طيبة ولكنَّها غليظة في أكثر الأحيان، وأنا لا أحبُّ أن أتكلَّم أمامها بكثير من المواضيع فهي لا تخفي أيّ أمر، فوراً تنشره وكأنَّها وكالة إعلاميَّة عالميَّة، فلا تتكلمي أمامها عن شؤونك الخاصَّة، في الطَّابق الثَّاني تسكن أمُّ سمير، وهذه المرأة فظيعة لسانها لا يدخل حلقها، عندما نجلس تأخذ الحديث كلَّه وحدها وتتكلَّم وكأنَّها محور العالم، صدقيني إذا قلت لك: إنِّي لا أطيق مجالستها ولكنَّها تأتي مع الجيران، لذلك أسكت
حتَّى لا أخرِّب الاجتماع الصَّباحي، ونسيت إخبارك: نحن كلَّ صباح نجتمع هنا في بيتي، مقابلها تماماً تسكن أم محسن هي معلِّمة ولكنَّها قليلة ذوق، وكثيرة غلبة، وتظنُّ عندما نجلس معاً أنَّها معملِّة علينا وأنَّها أرفع شأناً من الأخريات، ولاينقص غرورها إلَّا أن تحضر عصا الفصل لتعلِّمنا الأدب ولباقة الحديث، حقيقة إنِّي لا أرتاح لهذه السيِّدة ولغرورها، أما أمُّ مازن فهي تسكن بمقابل بيتك، وهذه المرأة تختلف عنهن جميعاً فهي محترمة وتستطيعين الجلوس معها والتكلَّم بكلِّ أريحية وسلاسة، ولكني -والله يسمعنا -وأخاف أن أكون قد ظلمتها، أنا غير متأكدة من هذا الكلام فقد أخبرتني إحدى جاراتي ولن أقول من هي، حتَّى لا أغتاب النَّاس فهذا من أكبر الحرام، أنَّها تضرب زوجها ولا تحترمه ولا تسمع كلامه، وقد سمعت أنَّ العصمة بيدها وقد طلقته مرَّتين وبقيِّت مرَّة واحدة وكلٌّ يذهب في طريق، ولكنِّي غير مسؤولة عن هذه المعلومة كما قلت لك بدايةً، والله يعينك على جاراتي وعلى السَّكن في البناية، وإذا أردت أيَّ شيء أو مساعدة فأنا جاهزة، ونسيت أن أعرِّفك على اسمي فأنا أمُّ محمود، وينادونني بمختارة الحي، ولكنِّك لم تعرفيني باسمك يا جارتي العزيزة؟
وهل تركت لي فرصة لأتكلَّم؟؟؟
عفواً اعذريني فأنا مهذارة أحياناً.
يا سيِّدتي أمُّ محمود أنا لست بجارتك ولست بساكنة البيت الجديدة، أردت أن أسأل عن طبيب الأسنان شاهر وقد علمت أنه لا يسكن بهذه البناية من خلال شرحك الوافي.
ماذا؟؟؟؟ أتقصدين أنَّك اِستمعت لحديثي وعرفت تاريخي وتاريخ نساء البناية وأنت مخطئة بالعنوان.
أجل أنا لست بالسَّاكنة الجديدة.
ولا تعرفين من سيسكن بالطَّابق الثَّالث؟
قلت لك لِمَ أنا هنا.
الله لا يعطيك العافية، لم أجد أوقح منك تركتني كلّ هذه المدَّة أتكلَّم وكشفت أسراري وأسرار جاراتي أمامك ولم تنبهيني أنك لست بجارتنا الجديدة؟
الواجب علي الإنسان ألَّا يعمل خيراً بحياته ولا يكلِّم من لا يستحق الكلام معه، انصرفي من وجهي فبعد قليل ستأتي صديقاتي وجاراتي الحبيبات وسأعرف من سكن في الطَّابق الثَّالث.


