ولقد كرمنا بني آدم……….
نظر حميد من النافذة فرأى كناراً يغرد بصوته العذب ويطير من شجرة إلى أخرى فرحاً وكأن حِيزت له الدٌّنيا، يغني ويغني فيطرب نفسه وكلّ من يسمعه، يظنه خالياً من الهموم والمتاعب، قال في نفسه: يا الله ما هذا العصفور الرَّائع!! كم هو جميل بريشه الملون الَّذي أبدع الرحمن رسمه، أخضر مع أصفر مع قليل من البني وألوان مختلطة مع بعضها لو أردت أن أحصيها لعجزت! ثمَّ ما أبدع وما أروع هذا الصوت المخملي الَّذي يسبح الله بأروع ألحان! يا الله ماذا لو خلقتني مثل هذا الملاك الطائر أتنقَّل من زهرة إلى أخرى أداعب الفراشات وأصادق كلّ من أكرمه الله ورزقه جناحين، ألم يكن أفضل من أن أخلق إنساناً ثقيلاً أمشي على الأرض تقهرني الجاذبية الأرضية، وتحد من تحركاتي وتجعلني كأبله لا أستطيع الطَّيران والتَّحليق في هذه السَّماء الزَّرقاء البديعة،!! وما أجمل حظك أيَّها الطَّير وكمْ كرمك ربِّي فجعل من صوتك وجمال منظرك مراداً لكلِّ محبٍّ، اِلتفت إلى الخلف فإذا بصوت يناديه، نظر وأطال النَّظر باحثاً عن مصدر الصَّوت دون أن يراه، خاف وصرخ من أنت يا صاحب الصَّوت؟؟
أنا من يغير الحظ، ويسمونني أحياناً ملبي الحوائج.
من أين أتيت؟؟؟
لا تهتم بي ولا تفكر من أنا ومن أين أتيت، هل تريد أن ألبي لك أيَّة حاجة؟؟؟
أجل أريد أن أُحَلَق مثل هذا الطَّير وأغني وأُرقّص من يسمعني وأجعل النَّاس تتمنى أن تعجب بجمالي وتسمع ألحاني.
كما تريد أيَّها الشَّاب الطَّيب، لحظات لم يصدق ما شاهده من تغير في شكله، ولم يستوعب كيف أصبح كناراً بهذه السَّرعة! ترك شرفته مستعجلاً وطار إلى الأفق القريب والبعيد، وأصبح يسبح في الفضاء يغوص إلى مقربة من الأرض ثمَّ يرتفع مستمتعاً بهذه الميزة الجديدة، فكمْ كان يمنِّي النَّفس أن يطير!! وكمْ كان يتمنَّى أن يغني مثل هذا الطَّائر!! وقد حصل على ما يشتهي، طار وطار وحلق وغنّى وتغنَّى لساعات طويلة حتَّى شعر بتعب شديد، اِستراح على غصن شجرة وكمْ شعر بالجوع!! قال في نفسه: ماذا عليَّ أن آكل!!! فأنا لا أعرف ما تأكل الطيور اِقترب إلى أحدهم فوجده يتابع دودة تمشي على فرع الشَّجرة، ثمَّ قام بنقرها واِبتلعها .
إااااااع شيء مقرف هل سآكل ما آكله هذا الغبي!! لا لا لن آكل هذا الشَّيء المقرف، ترك الطَّائر وابتعد عنه، دقائق اِشتد الجوع عليه، ومعدته تصيح راجية أن يدخل شيء ما فيها، وإلَّا ستضرب عن العمل وتتوقف نهائياً، وليجد له معدة غيرها تصطبر عليه.
ولكن ماعليَّ أن آكل يا معدتي العزيزة؟؟
كُلْ كما تأكله الطيور، هل أنت أبله؟؟ أمْ أنَّك جديد على الحياة.
تقصدين أنَّ هذا الطعام لن يضرني؟؟
طبعاً لن يضرك فهذا طعام الطُّيور.
ولكن الدُّود والحشرات شيء مقرف.
لا عليك أغمض عينيك وأبلع وأنا سأتصرف بالباقي.
كما تريدين فلا أريد أن أزعجك.
اِنطلق إلى أوَّل حشرة رآها وكما قالت له معدته، أغمض عينيه ونقرها وبلعها مسرعاً، وكمْ وجد طعمها فظيعاً!! وكمْ تمنَّى لو أنَّه يستطيع أن يأكل من طعامه عندما كان إنساناً، لا حول ولا قوة إلَّا بالله قال في نفسه، المهم ألَّا أموت من الجوع وأن أرضي معدتي حتَّى ولو كان الطَّعام مقرفاً فهذا الَّذي اخترته في لحظة غباء.
بعد أن جلس على غصن الشَّجرة وأكل، أحبَّ أن يكمل ما خاطر لأجله، فارتفع ثانية مغرداً وما هي إلَّا لحظات حتَّى تلبدت السماء بغيوم سوداء كجبال بركانية بردت منذ آلاف السنين، وسمع رعداً ورأى برقاً صادراً من وسط السَّماء ممَّا جعله يرتجف من الخوف والتجأ إلى أقرب شجرة واِختبئ بين فروعها، لحظات قليلة وأمطرت السَّماء وابتلَّ الجسم الهزيل الصَّغير، كمْ شعر بالبرد والوحدة والخوف!! ولعن في نفسه سوء اختياره وكمْ تمنَّى لو أنَّه لم يختر أن يكون طائراً ضعيفاً يخاف من أقل الأشياء، وما إن توقف المطر حتَّى نفض الماء عن ريشه وبدأ بالطَّيران مرَّة أخرى، رجعت السَّعادة إليه وظهرت على محياه الفرحة بعد أن كاد الضِّيق يقتله، ولكن يا فرحة ما تمت، فقد شاهد في الأفق القريب صقراً فارداً جناحيه قادماً نحوه كطائرة حربية تريد أن تلقي حممها على رأس أحدهم، حاول الفرار ولكن أين المفر فالبحر من ورائه والعدو من أمامه. صرخ بكلِّ ما يملك من قوة يا صاحب الصَّوت أنجدني.
ماذا تريد يا عصفور؟؟
أريد أن أكون فيلاً كبيراً لا يجرؤ أيّ مخلوق من الاِقتراب مني.
لك ما تريد، مرت لحظات عصيبة على رأس العصفور ولم يجد نفسه إلَّا وقد أصبح فيلاً كبيراً تهتز الأرض من ثقله.
الحمد لله قال في نفسه وتابع: قد أُنقذت في اللَّحظات الأخيرة، ولو لمْ ينجدني صاحب الصَّوت لكنت في بطن الصَّقر أذوب من حموضة معدته.
سار محاولاً رفع رأسه ولكن ما هذا الخرطوم الغليظ الَّذي يثقل رأسي!! وما هذه الأقدام الثَّقيلة والجسم الكبير فهو غير مناسب لي، عندما كنت إنساناً كنت أخف وزناً وأرشق حركة، ولكن المهم أنَّي تخلصت من الصَّقر وكلُّ شيء بعده بسيط.
ولكنِّي جائع يا تُرى ماذا تأكل الفيلة، سأنظر إلى نظرائي وأتعلَّم منها، أوف أوف ما هذا القرف!! أرى بعض الفيلة تأكل حشائش الأرض الوسخة دون أن تغسلها أو تنظفها، هل سآكل مثلها وهل سأستحم في هذه المياه الباردة القذرة وأشرب من مائها التي تبول فيه، تفووووو على هذه الحياة.
يا صاحب الصوت أرجوك لا أريد أن أكون فيلاً.
ماذا تطلب لأحولك؟؟
أريد أن أكون حيواناً لطيفاً سريعاً نظيفاً.
اِختر ما شئت فأنا طوع أمرك.
أريد أن أصبح أرنباً، ففيه كلُّ الصِّفات الَّتي أحلم بها.
لك ما شئت ولكن لتعلم أن هذا خيارك قبل الأخير فلم يتبقَ لك إلَّا خيار واحد.
حسنٌ، حولني إلى أرنب ولا تكثر الكلام.
لحظات وأصبح الفيل أرنباً.
آاااه ما أخفني وما أحلى وبري الأبيض النَّاصع.
وبدأ بالرَّكض والوثب يضحك حيناَ ويصيح حيناً آخر، رأى من بعيد حقل جزر اتَّجه إليه وأكل منه بشراهة فهو يحبُّ الجزر منذ أن كان إنساناً.
ولكن لمَ تركض الأرانب مبتعدةً، يا الله ما هذا!! ثعلب يلاحقها ويريد أن يلتهم إحداها، لأركض معها قبل أن أكون الكبش الأوَّل، أسرع ليسابق أقرانه وحيثما دخل أوَّل أرنب لحقه ودخل الحجر وراءه.
ما هذه الرَّائحة النَّتنة؟؟ وما هذا المكان الضَّيق؟؟ هل هنا تعيش الأرانب!! وكيف لي أن أعيش بهذا الظَّلام الدَّامس وهذه الرُّطوبة العالية، كان الله في عون إخواني من الأرانب، مضت ساعات وهو مختبئ في الجحر مع رفاقه والثَّعلب ينتظر أيّ مخاطر بحياته ليدق عنقه.
صاح حميد الأرنب بعد أن كره العيش في هذا القبر الضَّيق يا صاحب الصَّوت أرجوك أخرجني من هنا.
طبعاً سأخرجك، ولكن لك طلب أخير ماذا تريد أن تكون؟؟
أرجوك أرجعني إنساناً، أعيش في بيت هادئ وآكل اللَّحم والخضار النَّظيفة وأستحم بمياه دافئة وأنام على فراش دثر مريح.
هل هذا آخر كلامك؟؟ وانتبه فهذا خيارك الأخير كما قلت لك.
أجل أجل، أخرجني من هذا الوكر الفظيع أكاد أختنق، ألَّا ترى تلك العيون الحمراء الَّتي تلمع وترمقني في هذا الظلام المقيت، كمْ أنا خائف وحانق ونادم، أرجعني إنساناً مكرماً كما خلقني الله، ولا أريد أن أكون إلَّا كما شاء الله.
لك ما تريد لحظات وشاهد حميد نفسه واقفاً إلى النَّافذة ينظر إلى كناره الجميل الَّذي اِقترب منه مغرداً، أمسك حميد بحذائه وضرب به الطَّائر الصَّغير لاعناً إياه ولاعناً الفيل ذا الخرطوم الغليظ والأرنب الجبان الخائف، وأغلق نافذته ورجع ليكمل أحلام اليقظة على سريره.


