{ ولا تَقُل لهما أُفٍّ… }
في بيتها الكائن وسط منطقة شعبية مكتظّة ، عاشت أمُّ سميح بعد أن بلغت من الكبر عتيّاً .
كان بيتها يضجُّ بأصوات أولادها ، وكانت سعيدة مع عائلتها إلى أن رحل الأولاد ومات الزَّوج ، فصارت وحيدة تعد النجوم ، وتختبئ من الشَّمس في زوايا بيتها ، فلم يكن ليلها ليلاً ولا نهارها نهاراً ، اليوم صباحاً أو لنقل عصراً نسيت أو تناست تعاقب الليل والنَّهار ، فلا فرق لديها إن كان العقرب البطيء على رأس السَّاعة أو في أسفلها .
دخلت لتأخذ حمّاماً ساخناً عساه يعينها على غسل ما علق بها من ذكريات قديمة ، وفي غمرة انشغالها سقطت على الأرض ، في اللحظات الأولى لم تشعر بما أصابها ومع تقدُّم الدَّقائق أيقنت أنَّ ساقها أُصيبت بأذى كبير ، والأرجح أنها كُسرت .
جلست على أرض الحمّام باكية تصرخ لعل أيّاً من جيرانها ينجدها ، ولكن بلا جدوى .
مضى الوقت بطيئاً مملّاً مملوءاً بالوجع والدُّموع ومناجاة الله بصرف هذا البلاء .
آااااااااه أين أنتم يا أولادي ! عندما كنتم صغاراً كنت أجوع لتأكلوا وأسهر لتناموا ، وإذا مرض أحدكم كنت أشعر بمرضه يكوي قلبي وأحشائي ، فأتألم أكثر ممّا يتألم ولدي ، وعندما اقتربتُ من حافة القبر تركتموني للضباع تنهش ما بقي من جسدي !
تحاملت على نفسها متناسية آلامها وأوجاعها ، وبدأت بالزَّحف ، وبعد وقت شعرت به دهراً وصلت إلى مكان هاتفها الخلوي ، وكان ابنها الكبير أوَّل من فكّرت بالاتصال به ، طلبت الرَّقم فجاءتها رسالة من شركة الهاتف الخليوي بأنها لم تدفع الفاتورة ، ولا يسمح لها بأكثر من ثلاث مكالمات .
ثلاث مكالمات تكفيني ، طمأنت نفسها .
تابعت الاتصال وكم تفاجأت عندما علمت أنها محظورة ، ولا يمكن لها الاتصال بهذا الرَّقم ! فتذكرت أنها منذ سنة تقريباً لم تسمع أيّ خبر عن ابنها ولم تتلقَّ منه اتصالاً .
ليس هناك مشكلة فما ما زالت لدي مكالمتان ، فكّرتْ مليّاً فوجدت أنَّه من الحكمة أنْ تتّصل بابنتها الَّتي تسكن في مدينتها نفسها ، ولكن في الحي الرَّاقي ، فقد تزوَّجت منذ سبعة أعوام ، لم تَزُر خلالها منزل عائلتها سوى بضع مرّات ، ولأنَّه لم يعد مناسباً لوضعها الاجتماعي قررت ألَّا تزور هذا الحي الشَّعبي الَّذي لا يرتقي لمستواها الجديد ، وبهذا انقطعت أواصر العلاقة ، وصارت تكلّمها في فترات متباعدة .
بحثت عن اسمها في سجل الهاتف ، وبلهفة كبيرة ضغطت على زر الاتّصال راجية أن تردّ عليها ابنتها لتنهي معضلتها الكبيرة ، انتظرت لحظات كأنها شهور وانتهى الاتصال دون إجابة .
توقّف تفكيرها وزادت حيرتها ؛ فالآلام الشَّديدة الَّتي تشتدّ أصبحت لا تطاق ، وبعد تفكير عميق اختارت أوسط أولادها ، فهذا الولد طالما كانت تفضّله على أخوته ، حتَّى إنها أعطته أكثر ما تملك من حليّها ليتزوَّج بثمنها ويبدأ حياته ، وربّما هذا ماجعل الأولاد ينفضّون عنها .
قالت في نفسها : لم يبقَ أمامي إلَّا من كرَّمته وآثرته على إخوته ، وعندما أرادت أن تضغط على الزُّر، توقّفت فجأة قائلة : هذه فرصتي الأخيرة في الحياة ، وهذا آخر اتّصال مسموح لي ، فهل أسلِّم رقبتي لمن نسيني أسابيعَ وشهوراً ! لو كنت أمُّاً حقيقية لما تركوني ، ولو كنت عزيزة عليهم لما نسوني ، لن أستعمل آخر خياراتي كي لا أطفئ بصيص أمل أنَّه في يوم ما قد يتذكرونني .
ألغت فكرة الاتصال بأولادها ورمت هاتفها واستلقت على أرضية الغرفة وأغمضت عينيها منتظرة ملائكة السَّماء الرّحيمة .


