جدال أحذية
مكتب للزواج
القرين

معالج نفسي

معالج نفسي

ألقى بجسده المتعب على كرسي الحافلة المسافرة إلى مدينة تبعد أكثر من ألف كيلو متر ، أسند رأسه وأغمض عينيه وانهمك في تفكير عميق .
مصباح ذلك الشَّاب الَّذي ترك مدينته بعد أن جرّب كثيراً ضروب العمل ولم ينجح ، فقرّر ترك المدينة لأنها هي السَّبب ، والحظّ السِّيئ يأتي من بين أزقتها وحاراتها .
حاول النَّوم فلم يستطع ، إنّ طريقه لطويل ويحتاج إلى صبر .
جاس بعينيه ركّاب الحافلة ، فهو يعتبر عينيه خبيرتين بما تكنّه الأنفس وقال : بما أنّ طريقي طويل ، وأمامي ساعات كثيرة أجلس فيها دون فائدة ، سأحاول أن أنفع ركاب الحافلة عن طريق التَّواصل الرُّوحي وأكتسب الأجر من الله .
جال بنظره فشاهد طفلاً لم يتجاوز خمسة الأعوام ، نظر إليه وأطال النظَّر ، فوجد نفسه داخل أحلام الطِّفل .
مرحباً صغيري ، كيف حالك ؟
أهلاً يا عمِّي ، الحمد لله .
ألك – يا صغيري – حاجة أو حلم كي أحققه لك ؟
لديَّ أحلام كثيرة وحاجات أكثر ، ولكن أمّي تمنعني من التحدُّث مع الغرباء .
لست بغريب ؛ أنا اسمي مصباح كمصباح علاء الدِّين أحقّق أحلام  من يريد أن يعيش بسلام وفرحة وهدوء .
أقسم لي – يا مصباح – إنك لا تريد بي شراً .
يا صغيري ، قد أتيتك بأحلامك حتَّى لا تصاب بأذى ، جرّب التَّعامل معي ، فإذا حقّقتُ لك ما تصبو إليه نغسك فذلك ممتع ، وإن لم أفعل فلن تخسر شيئاً .
قد أقنعتني ، أريد أن أركب سيارة أقودها بنفسي ، فأنا أحبّ قيادة العربات .
سأجعلك تقود عربة ولكنها بلاستيكية وسرعتها خفيفة خشية أن تصدم أحداً أو تصاب بأذى .
ليكن ، كما تريد يا عمّ مصباح ، المهم أن أقودها بنفسي .
تعال معي إلى هذا المكان … أدخله العم إلى حديقة الملاهي وأركبه العربة الَّتي اتّفقا عليها .
تجوّل الصَّغير بعريته في أرجاء الحديقة الواسعة وضحكاته تملأ المكان إلى أن ملَّ اللعب ، فطلب من مصباح وجبة بطاطا مع دجاجة مشويّة ….أكلها وهو بغاية السَّعادة .
تابع مصباح النَّظر إلى الطِّفل فتلاقت أعينهما ، فبادره الصَّغير بابتسامة قدَّر مصباح أنها ابتسامة شكر وعرفان بالجميل عما فعله معه .
تركه والتفت إلى الجانب الآخر فرأى شابّاً بدا عليه الضَّيق والكرب ، وكما فعل سابقاً ، ثبّت نظره على وجه الشَّاب إلى أن دخل إلى أحلامه .
مرحباً أيّها الشَّاب ، أنا اسمي مصباح ، ما اسمك أنت ؟
اسمي فائز ، ولكن لماذا تريد التعرُّف عليَّ ؟
أحاول إخراجك من هذه الحالة الَّتي جعلت أوقاتك حزناً وهماً .
أشكّ أنك تستطيع أن تفعل ؛ فقد تركت بلدي لأني فاشل بكلَّ ما أعمل ، فكم تنقّلت من مصنع إلى مصنع  ومن عمل إلى آخر ، ودائماً كان الفشل نصيبي !
إذاً أنت مثلي ، ولذلك أتيت إليك . أنا تخطّيت العوائق كلّها وبدّلت حياتي إلى تفوّق ، أولى النَّصائح وأهمها أن لا تخشى إلَّا الله يا فتى ، وسأريك كيف أنّ النَّجاح سيكون حليفك في كلِّ أمورك . بماذا ترغب أن تعمل لأحقق لك رغبتك ؟
أنا أعشق تصليح الأدوات الكهربائية ، وقد حاولت مراراً ، ولكن كلّ أجهزتنا الكهربائية في البيت تعطّلت بسببي .
تعال معي لأريك أنّك مخطئ وأنّ حياتك ستكون متجدّدة ملأى بالتَّفوق والازدهار .
ادخل معي إلى هذه الورشة الكبيرة ، وتوجّه ناحية المكنسة المعطلة وحاول تصليحها .
لحظات قليلة فإذا بماس كهربائي يصدم الشَّاب ويُعيد مصباحاً إلى واقعه ، فيرى نظرات الشّاب تقدح شرراً وهو يشعر بألم الصّعقة .
أشاح بوجهه عن الشَّاب ، وحدَّث نفسه : أنت غبيّطط حقّاً ، وسوء الطَّالع سيرافقك أينما حللت . فلأبحث عن محتاج آخر عسى أن أُفرِّج عنه .
أوووف ما هذه المسكينة الجالسة بجوار هذا البغل الأحمق ! يكاد يعصرها ؛ فهو يجلس مرتاحاً بجسمه البدين ، وهي كصوص نُتف ريشه ، سأتواصل معها لعلّي أخفّف عنها هذا البلاء ، وأنقذها من هذه الكارثة التَّي نزلت على رأسها .
فعلاً ثبّت نظره على المرأة المسكينة ، واستطاع أن يدخل إلى أعماقها .
مرحباً أيتها الأخت الفاضلة ، هل لي أن أعرف ما حاجتك ؟ وما الَّذي يضايقك من هذا الغليظ الكاتم على نفسك ؟
لا أعلم من أين أبدأ وماذا أقول ! أيرضيك أيها الشَّاب الطَّيب أن تتزوَّج أختك برجل لا تحبه ؟ أتقبل أن ترى أختك مُعذّبة مضطهدة تعيش في ذلّة وعذاب ؟
أبداً ، والله لم يعش من سيجعل أختي مقهورة ذليلة .
هذه حالتي مع هذا المسمّى زوجاً ، صدّقني لو قلت لك : إنّي أموت آلاف المرات في اليوم بسبب معاملة هذا الوحش المتخفّي بلَبوس إنسان .
يا لهذا الحيوان المفترس ! سأخلِّصك منه ، وأهب لك حريَّة طالما تمنيتِها .
قام من مقعده واتّجه إلى الزَّوج الَّذي يداعب النَّوم عينيه ، هزّه بعنف قائلاً : ألا تستحي أيها الوقح ! ألا تخجل من أفعالك الحيوانية ؟!
تفاجأ الزوجان أيّما مفاجأة ، فوقف الزوج قائلاً : ما بك أيها الشَّاب ! أصابك الجنون أم أنك شاربٌ خمراً أو حشيشاً مخدِّراً ؟
يا لك من وقح ، تريد أن تغطّي على أفعالك الشَّائنة ، كيف لك أن تضرب هذه المرأة وتهينها ! أما سمعت أن رسولنا العظيم صلوات الله وسلامه عليه قد قال : استوصوا بالنِّساء خيراً ، حتَّى إنِّه سماهم قواريرَ !
انتفضت المرأة قائلة : ومن قال لك أيها المعتوه الأبله : إنَّه يضربني ؟ زوجي من أرقى وألطف مَن خلق الله على هذه الأرض .
ألم تخبريني منذ لحظات أنَّه يضربك ؟
وهل كلّمتك أيها المعتوه قبل اليوم ! فأنا لم أرَ سحنتك الغبية في حياتي ؛ ومن تكون لأكلّمك !
أوقف السَّائق الحافلة ، واجتمع الرُّكاب وزوج المرأة على الشَّاب مصباح فأوسعوه ضرباً لأنَّه تحرَّش بالمرأة وزوجها ، ورموه من الحافلة وتابعت سيرها .
أهذا جزاء من أراد بالنَّاس خيراً ! سأنتظر أيَّة مركبة مارّة توصلني لأقرب محطة ركاب .
وبينما هو ينتظر إذ مرَّ بجانبه كلب ، نظر إليه فرأف به وبضعفه وقال : على ما يبدو أنَّ الكلب جائع وظامئ ، ويحتاج إلى دعم نفسي ، سأدخل إلى مخيلته وأجعله سعيداً ، اقترب من الكلب محاولاً التَّواصل الرُّوحي معه ، فما كان منه إلَّا أن وثب عليه وعضّه من رجله ، ولم يتركه إلَّا والدِّماء الغزيرة تسيل منه ، وبعد أن ابتعد الكلب عنه نظر إلى ما آل إليه حاله قائلاً : حقاً إنّ فعل الخير مع غير مستحقّيه وبال على فاعله .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

ذات صلة

الأصل المجهول

الأصل-المجهول إنها كارثة أهل سوريا ومصيبتهم. عائلة أتت من المجهول لتجعل حياتهم جحيماً. لم تكتفِ عائلة الأسد بسرقة أموال البلاد

تابع القراءة »