لكل زمان دولة ورجال …
في دار كبيرة لفَّها الصَّمت وخيم عليها السُّكون كهدوء المقابر . فقد هجرها ساكنوها منذ أعوام ، فلم تعد الأشياء تتذكر لغة المخاطبة فقد نسيت اللغات واللهجات .
لم تعد اللوحة المعلّقة تستطيع على الجدار التَّحمل ، فصرخت بأعلى صوتها : ما هذا الهدوء المقيت القاتل ؟! أريد التحدُّث مع أيّ شيء ؛ فقد فاض بي ، أشعر إنَّي سأنفجر خلال دقائق إن لم أسمع صوتاً .
ردّ القنديل المتدلي من سقف الصَّالون الواسع : حقاً قد كرهنا هذا الوضع ، وصارت أيامنا كلّها سواسية ، فلا جديد في حياتنا ، وعلى ما يبدو أنَّنا فقدنا كلّ أمل في أن نرى أو نسمع صوتاً غريباً أو قريباً .
قالت الطَّاولة : لنتكلَّمْ مع بعضنا عسى أن نسرِّيَ عن أنفسنا .
قالت المزهرية : هذا أفضل اقتراحٍ ، فمنذ أن وضعوني فوقك وغادر البيتَ أصحابُه لم يلمسني أيّ إنسان أو يبدي أيّ اهتمام بي .
قال الكرسي : وأنا هجروني جميعهم ، ولم يعد بحاجتي أيّ متعب .
أجابت الأريكة : أمًا أنا فماذا أقول ! فقد كان جميع أهل البيت بحاجتي ، ولا يرتاحون إلَّا عندما يجلسون عليَّ ، أمّا الآن فقد أهملني كلّ من كان يطلب ودّي .
آاااه كم كان أصحاب البيت يتمنون أن يشربوا بزجاجي الشَّفاف الرَّائع مياهاً باردة قالت الكأس !
ألم تشعروا أني صرت قطعة جامدة منذ أن أغلقني أصحابي ، ولم أتحرك من مكاني قال الباب ؟
ردَّ التِّلفاز : أمّا أنا فكم تحلّقوا حولي ! وكم انتظروا ظهور صوري وسماع صوتي ! أما الآن فأعتقد أنّني لن أستطيع أن أصدح ثانية .
أجابه مذياع قديم جالس في الزَّاوية المهملة من الصَّالون : أنا منذ زمن بعيد لم يسمعوا صوتي ، رغم أنهم كانوا موجودين ويمرون أمامي صباح مساء ، لكنهم أهملوني لأنِّي كبرت وعجزت ، سامحهم الله .
ردَّت السَّجادة وقد علاها الغبار : كم جلسوا عليَّ في الليالي الباردة واحتموا من برد الشِّتاء بصوفي ! ورموني الآن دون أن يقدموا أيّ اهتمام أو ردٍّ للمعروف .
قالت الخزانة : يا أخوة ، كلّنا أُهملنا وظُلمنا منذ أن هجر أصحابنا البيت ، ولا نريد أن نفتح جروح الماضي ، دعونا منها ولننظر إلى المستقبل عسى أن نجد فرجة أمل ، فقد جمعتنا الظُّروف في هذا البيت ، وعلينا أن نتأقلم على هذا الوضع ، فدعونا نتسامر ونساعد بعضنا ونروِّح عن أنفسنا ، ونجد طريقة لنضيع الوقت الَّذي لا فائدة منه .
قالت الطَّاولة : والله هذا خير الكلام ، فلنفتح قلوبنا لبعضنا ونتكلَّم عن ماضينا ونتسلّى .
أجابت المزهرية : سأكلِّمكم عن نفسي ، فأنا كما أظنُّ أنّي أكثر قيمة وأهم قطعة في هذا المنزل ، فكما تشاهدون الزَّخارف البادية عليَّ ، والألوان التي تخطف لبَّ كلّ من يراني ، فقد صُنعت بيدي فنان سهر الليالي الطَّويلة حتَّى استطاع أن يُخرج شكلي بهذا الجمال .
ردَّت الطَّاولة وقد غاظها كلامها ومدحها نفسها : أتعلمين أنِّي قُطعت من جوف غابة كثيفة من الصُّعوبة أن تصل إليها قدم إنسان ؟ وكم كانوا حريصين على نقلي وتجفيفي وصناعتي حتَّى بدوت بهذا المنظر الخلاب !
قالت اللَّوحة : يالكم من مجانين ! ومن ينكر جمالي وأناقتي وحسن اختيار ألواني !
قال التِّلفاز حانقاً : لو تعلمون – يا أخوة – كم وجد المخترعون صعوبة في الوصول إلى التِّقْنيات الَّتي صرت عليها لاستغربتم ! فأنا أرى أنِّي القطعة الاستثنائيّة في هذا المنزل ، ولا يعلو على شاني أيّ شيء آخر .
لا تحسب أنك صرت كما أنت من دوني ،وفأنا أوَّل فكرة للإنسان ، وأنا أهم ما توصلوا إليه أجاب الرَّاديو .
ردَّ القنديل : يالكم من أغبياء ؛ وهل كان لكم وجود لولا أنَّهم اخترعوا ضوئي ! اِذهبوا والعبوا بعيداً عني ؛ فوجودكم لم يكن لولا أنّي أضأت لكم الطَّريق .
قال الباب : أتنكرون فضلي عليكم أيها الجاحدون ! ألم أحافظ عليكم وأمنع الأيدي الغريبة من أن تمتد إليكم وأحرسكم وأحميكم ؟!
سمعوا قهقهة قوية وصوتاً يقول : أيها الصّغار الحمقى ، من ينكر جمال ألواني ورقّة ملمسي يكون مختلاً ويحتاج إلى مشفى للمجاذيب ، ولا تنسوا أني منعت الشَّمس من أن تفتتكم وتجعلكم في عالم النِّسيان ، أتخالون حقّي سيضيع لأنني لم أتكلم ! واهمون أيها المختلون ، ففضلي عليكم كبير ولا ينكره إلَّا جاحد ناكر للجميل تحدَّثت السّتارة .
قالت السَّجادة : وكيف لكم إن تنسوا ما أنا عليه من جمال ورسوم تزيّن البيت وأشياءه !
ردَّت الخزانة : يالكم من مهابيل لا تعرفون قدر الأشياء !حقاً السُّكوت أفضل بمئات المرات من التحدُّث مع أشياء تافهة .
تحركت الطَّاولة محاولة أن تسقط الكأس والمزهرية وفُتح الباب حتَّى تُسرق كلّ الموجودات ، وانزاحت السِّتارة لتجعل الشَّمس في وسط المنزل ، وشعرت الكراسي بغضب ، وتهيأت الأريكة لتنقض على السُّجادة وتعلمها الأدب .
توقفوا عندما سمعوا صوتاً خفيفاً وكأنَّه آتٍ من قاع عميق ، وبعد بحث تأكدوا أنَّه يصدر من زهرة لم تُروَ منذ مدة طويلة فصارت عوداً يابساً لا يمتُّ إلى الحياة بصلة .
قالت : لا تتخاصموا يا أصدقائي ، فالدُّنيا فانية واعتبروا مني ؛ فقد كنت زهرة جميلة يرغب كلّ من يراها أن يشمَّ رائحتها وينهل من عطرها ، وبعد أن يبست تخلّى عني كلّ من كان يتوق للمرور بجانبي .
عادت الأصوات العالية والجلبة إلى أن سمعوا صوتاً رجولياً خشناً يقول : من ترك الباب مفتوحاً ؟ فإذا برجلين وامرأة يدخلون .
قالت المرأة بعد أن تجوّلوا في البيت : قد أعجبني البيت وترتيب غرفه ، ولكن أريد استبدال الباب الخشبي بباب حديدي ، وهذه الطَّاولة لا تناسبي سألقيها للحرق مع كراسيها ، والمزهرية (موديلها) قديم سأرميها بالقمامة ، والسِّتارة سأعطيها لأوَّل سائل مع هذه السّجادة العفنة ، والكؤوس سأكسرها فمنظرها مقرف ، وما هذا التّلفاز القديم الَّذي عفا عليه الزَّمان ! وأوَّل مرة أرى راديو بهذا القبح ! أرجوك يا زوجي قبل أن أضع قدمي في البيت عليك التَّخلُّص من هذه الأشياء ، ولا تنسَ هذه الخزانة واللَّوحة المعلَّقة فمنظرهما القبيحان يشعرانني بالغثيان والاشمئزاز .
خرجوا جميعاً بعد أن أغلقوا الباب، لحظات ساد صمت قاتل إلى أن سُمع نحيب صادر من جميع الأشياء، قالت الطَّاولة حقاً لا أمان لبني آدم وأن الغدر شيمته.


