جدال أحذية
مكتب للزواج
القرين

شباب دائم

شباب دائم…….

 
 
عبد السَّلام ذلك الرَّجل الَّذي بلغ عقده السَّابع وقد توفيت زوجته منذ خمس سنوات وهجره أولاده كلّ إلى هدفه، يعيش وحيداً في بيته الَّذي ولد فيه وأقسم أنَّه لن يبرحه إلَّا إلى القبر، على الرَّغم من طلب أولاده منه مرافقهم ولكنَّه أبى أن يفارق حيَّه وداره، فما يربطه بهما أكبر من أن يوصف، وما دام يعيش في بيته فهو يشعر أنَّه ما يزال ذلك الطِّفل الصَّغير والشَّاب اليافع، وأنَّه لن يشيخ ولن يكبر مهما تعاقبت السُّنون على رأسه، فهو كحجر هذه الدَّار كلما طال عليها الأمد الزَّمن زادت تماسكاً وقوة، هكذا كان يرى بيته ونفسه وكلما نظر إلى المرآة وجد أن وميض الشَّباب ما زال يشع بوجهه، صحيح أنَّه يصبغ بشكل مستمر ما بقي من شعره الَّذي أصبح كحقل من القطن النَّاصع البياض، ولكن هذا الأمر لا يهم، فقلبه ما زال ينبض بالحياة والشَّباب حتَّى إنَّه يمشي كلّ يوم أكثر من ساعتين، ولن يدع أيَّة فرصة للعمر ليغدر به، ولن يسمح له بالوصول إليه، وسيقف سداً منيعاً بوجهه، ولن يرضى أن يغادر هذه الدُّنيا قبل بلوغه المئة عام، قال في نفسه وتابع : وقد تكون المئة قليلة وعندما أصل لهذا العمر سأفكر فيما عليَّ أن أفعله.
صباحاً لبس العجوز المتصابي (بيجامة)الرِّياضة وخرج ليمارس رياضته اليوميَّة، مشى بكلِّ عزيمة وعنفوان الشَّباب يداعب جسمه الهرم الَّذي أثقلته الهموم، حاول أن يشد ظهره ليجعله منتصباً ولكنه رفض الانصياع لأوامر العقل وبقي محنيِّاً على  الرَّغم من القوى الخارجية الَّتي تجبره على الاستقامة، ليس مهماً قال في نفسه، فأنا ما زلت أتمتع بصحة عالية ولن أدع تقوس ظهري البسيط يؤثر على مسيرتي اليوميَّة فأنا شاب رغماً عن كلِّ الظروف، حاذى حديقته وهو يتلفت يمنة ويسرة خوفاً من سيَّارة مسرعة قد تنهي خططه المستقبلية، عبر الشَّارع بأمان وتابع سيره السَّريع داخل الحديقة، رأى من بعيد فتاتين في مقتبل العمر، فحدثته نفسه قائلة: يا عبد السَّلام إلى متى ستبقى أرملاً ألا تكفيك خمس سنوات وأنت جالس تعد النَّجوم وتتكلَّم مع نفسك وحيداً بلا أنيس أو وليف، انظر إلى حالك يارجل فما زلت شاباً وما زال العمر ينتظر أن تخطو كي تتمسك بما بقي لك من السَّنوات الَّتي أظنُّها طويلة، سارع يا رجل واغتنم الفرصة، وابحث عن شريك يخففُّ عنك مشقَات الحياة ومصاعبها.
ولكنِّي أرى أنَّ الفتاتين أصغر مني بسنوات طويلة.
يا لك من أهبل، على الرَّغم من أنَّك تحمل على كاهلك عمراً ليس بالقصير ولكن تجربتك تكاد تكون كشباب اليوم، الرًّجل لا يعيبه عمره ولا جماله، عيبه إذا كان جيبه مثقوباً نظيفاً لا مال فيه، وأنت -والحمد لله مقتدر -ومعك أموال تكفي بك نفسك وزوجك، عليك أن تخطو أوَّلى خطوات مستقبلك الجديد ولا تكون كحطبة تنتظر الاحتراق، بل بادر لتصبح شجرة مثمرة لا تخشى فصول العام.
هل تقصد أن عليَّ أن أذهب إلى إحدى الفتاتين وأطلب يدها.
لا لا، أيَّها المغفل عليك أن تقترب منهما وتحاول أن تتجاذب معهما أطراف الحديث، وترى أيَّهما أصلح لك ثمَّ تتخذ قرارك وتأخذ عنوان أهلها.
والله عين العقل والصَّواب سأقترب وأرى ما يمكنني فعله.
السَّلام عليكم أيتها الفتاتان.
أهلاً وسهلا يا عم، هل من خدمة نؤديها لك، قالت إحداهما.
عم!!! قال في نفسه وتابع: عمى الدبب إن شاء الله، كم أنت وقحة أيتها الشَّابة، وقصيرة نظر، لعما بقلبك أكثر ممَّا هو معميٌّ، قال عم قال.
تابعت الفتاة: ما بالك يا عمّ هل بك أذى؟؟ أم تريد أن أطلب لك الإسعاف؟؟ فإنِّي أرى وجهك متعباً وحالتك ليست على ما يرام، سآتي لك بماء من صنبور الحديقة، عسى أن يرد لوجهك شيئاً من عافيته، وتركتهما لأجل إحضار الماء.
الحمد لله الَّذي صرف بلاء هذه الفتاة الغبية عن وجهي، على ما يبدو أن الحظ أسعفني وترك لي الفتاة الأخرى الَّتي يمكن أن أتكلَّم معها ويمكن لها أن تتفهمني، وسأدخل معها بالموضوع قبل أن ترجع الأخرى الغبية.
كيف حالك يا فتاة؟؟
الحمد لله بخير، وأنت هل شعرت بتحسن؟؟
تحسن؟؟ أنا لا أعاني من أيَّة أمراض وجسمي أصلب من صخر متلاحم بجبل منذ آلاف السِّنين، وصحتي كفتى يفيض حيوية، وأمشي وأركض كلَّ يوم ساعات طويلة، ولي بيت جميل ومعي أموال كثيرة، والحمد لله أمراض هذه الأيام من السُّكر والضَّغط بعيدة عني، وأعيش بمفردي ولا أحتاج إلى أيَّ مخلوق ليساعدني  فأنا أذهب إلى السُّوق بمفردي وأطبخ وأنظف البيت وأفعل كلُّ ما قد يخطر على بالك  فأنا والشَّباب توءمان، ولك أن تختاري أيّ شاب مارٍ في الحديقة ليسابقني وستري نتيجة ستذهلك.
آاااه ما شاء الله، هل تعرف يا سيِّدي أن جدي كان بمثل عمرك وله نفس صفاتك، كم كنت أحبُّه وأحترمه!!! ولقد ذكرتني به عندما رأيتك، فقد مات منذ سنتين أطال الله في عمرك يا جدي.
لعنات الله تترى عليك أيتها الفتاة التافهة، قطع الله لسانك، كم أنت غبية وليس لديك بعد نظر!!! أنا جدك أيتها الوقحة!! إي قسماً بالله على الرَّغم من صغر سنك ولكن من يراك عن قرب يظنُّك بمثل عمر أمي، انقلعي من وجهي أيتها الفاجرة  وتفوووووووووو على هذا الحظ الَّذي أوقعني مع هاتين المغفلتين قال في نفسه، ثمَّ نظرة لها نظرة لو وجهت لجبل جليد لأذابته وقال: على كلِّ حال سلمي على جدك عندما تقابلينه.
ولكن جدي ميت كما قلت لك.
أعرف وعلى ما أعتقد أنَّك ستزورينه عمَّا قريب.
ما بال هذا المجنون يتكلَّم معي هكذا، الحقُّ عليَّ لأنِّي عاملته بلطف، إنَّه خرف قالت الفتاة.
تركها وهو يتمتم بكلَّ اللَّعنات الَّتي يحتويها قاموسه وتابع سيره، يفكر في تلك الملعونة الَّتي أفسدت يومه وجعلته يكبر آلاف السِّنين، ولكن لن ألتفت إلى هذه البلهاء، من الواضح أنَّها تحتاج إلى نظارة طيبة، أو قد تكون لا ترى أبعد من موضع قدمها.
من بعيد شاهد اِمرأة قدر أنّها في اواسط الخمسينات وهي تحمل كيساً ثقيلاً قد هدَّ جسدها سارع إليها قائلاً: لا حول ولا قوة إلَّا بالله، كيف لك أنت تحملي هذا الكيس الَّذي ينوء بحمله الشَّباب!! أين أولادك وزوجك؟؟ ألَّا يخجلون من أنفسهم؟؟ تباً لهذا الجيل الَّذي لا يقدر الآباء والأمهات.
على رسلك يا سيِّدي فأنا غير متزوجة ولا أولاد لي.
عفواً لم أقدر الوضع بشكله الصَّحيح.
وقال في نفسه: والله هذه السَّيدة عز الطَّلب، عمرها مناسب ووضعها مناسب سأريها شبابي وقوتي وأجعلها تتعلق بي وتطلب القرب مني وتابع: ابعدي يدك عن الكيس.
هل ستحمله؟؟
طبعاً ومن له إلَّا الرِّجال أمثالي.
ولكنِّي أخاف ألَّا تقدر على حمله.
اِمتعض عبد السَّلام وبان الضِّيق على وجهه قائلاً: أنت الظَّاهر لا تعرفين قدر الرِّجال ووزنهم، اِبتعدي يا اِمرأة فأنا خلقت لأهدَّ الجبال وأكسر الصُّخور، أنا عبد السَّلام الَّذي لم يخلق مثلي في البلاد.
ورفع الكيس يمنِّي النَّفس بأن تعجب به المرأة.
وضعه على كتفه، مشى خطوتين فإذا به والكيس أصبحا طريحي الأرض، وصار عبد السَّلام يصيح من أوجاع لم يعرف من أن تأتيه، وانتثر ما في الكيس من أرز على الأرض.
فما كان من المرأة إلَّا أن أمسكت هاتفها المحمول طالبة سيَّارة الإسعاف لاعنة حظها العاثر الَّذي يلقي بها دائماً بمواجهة المصاعب والعجائز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

ذات صلة

الأصل المجهول

الأصل-المجهول إنها كارثة أهل سوريا ومصيبتهم. عائلة أتت من المجهول لتجعل حياتهم جحيماً. لم تكتفِ عائلة الأسد بسرقة أموال البلاد

تابع القراءة »