ثورة شاب………….
في مدينة منعزلة بعيدة عن الحضارة والمدَنية عاشت فيها عشرات من العوائل، كانت تقتات على الصَّيد والزِّراعة، ليس بينها أيّ غريب ولا تتواصل مع أحد منذ أن رُفعت أسوار مدينتهم فعزلتهم عن العالم الخارجي.
أهل هذه المدينة سيطرة على عقولهم الخرافات والشعوذات؛ وحكايات نشأت من أوهام وتخيلات، تناقلتها أجيالهم ، فقبل مئة سنة تقريباً، شاهد أبو أحمد الجان متحلِّقين حول المدينة ممسكين بأيديهم سيوفاً منتظرين أيّ عابر سبيل أو خارج من حدود القرية ليقطعوا رأسه، وقد أقسم أبو أحمد أنَّه سمعهم يتكلمون ويتوعدون كلّ من يرونه من بني آدم، وأكد الرَّجل أنَّه رأى الشَّرر يتطاير من عيونهم الحمراء الَّتي كانت تلمع ليلاً، ولولا حفظ الله لكان أوَّل من قُطع رأسه، ولكنَّه اِستطاع الهرب والنَّجاة بنفسه، وهذا ما جعل أهل المدينة يخشون من التِّجوال ليلاً بل إنَّهم كانوا مع غروب شمس كلِّ يوم يختبئون في بيوتهم مبكرين كطيور لجأت إلى أعشاشها في ليل شتاء قارس.
في كلِ عام كانت هناك أحداث جديدة وخطرة، فبعد قصَّة أبي أحمد بشهور، اضطر أبو سليمان إلى إلى خروج من بيته ليبعد الضِّباع عن أغنامه، فشاهد بأمِّ عينيه الجن والشَّياطين والأشباح هاجمةً عليه، ترك غنماته للضباع لتأكل منها ما تشاء وهرب إلى بيته وبقي في فراشه يرتجف من الخوف، وقد أكل الرُّعب قلبه وتوفي بعد أسبوع من هذه الحادثة،أيقن الأهلون أنَّ مدينتهم مسكونة وأنَّ الأشباح تجوس فيها ممَّا زادهم انكماشاً على أنفسهم، فأصبحوا يخافون النَّهار أيضاً بعد أن كانوا يخافون الليل، ويبتعدون عن أيِّ مكان مهجورٍ إن كان ضمن مدينتهم أو خارجها، واِرتفعت أسوار الرعب حول المدينة وأصبحت كقلعة حتَّى الشمس تخشى دخولها،وانتصبت جبال من الوهم والخشية تقف في طريق أعمالهم، وعاماً بعد عام نقصت المحاصيل فكانوا يهربون من العمل خارج حدود مدينتهم والرعب من العفاريت والشَّياطين، وشيئاً فشيئاً أصبح العمل مقتصراً على ساعتين أو ثلاث ساعات على الأكثر، فالجان لا تريدهم أن يعملوا والجان لا تحبُّ أن يزعجهم أحد بصوت المناجل والفؤوس هكذا قال لهم أبو حسيب بعد أن تنصت على جنيين كانا أسفل بيته، حتَّى إن أصواتهم أصبحت أكثر اِنخفاضاً فالشَّياطين يكرهون سماع كلام بني آدم وقد أقسموا على اِقتلاع روح من يرتفع صوته، هكذا أكد لهم أبو عادل عندما سمع الجان يتكلمون فيما بينهم عندما كان يغتسل في حمَّام السُّوق، وقد أُغلق هذا الحمام منذ عشرات السِّنين ولم يتجرأ بعد هذه الحادثة أيُّ مخلوق على دخوله وتركه أصحابه مهجوراً، ولمْ يقتربوا من بابه منذ سنوات طويلة.
وبقي حالتهم على ما هي إلى أن صار الوقت حرجاً للغاية، فالطعام قليل والأغنام شارفت على الفناء والهلاك، حتَّى إنَّ الماء شحَّ، وصار الوضع أقرب إلى الكارثة، فأهل المدينة سكنوا منازلهم وتحصَّنوا بها ومنعوا أنفسهم منعاً باتاً من الخروج إلَّا بأوقات بسيطة ومحددة، وفي قرار مستعجل لرئيس مجلس المدينة، طلب من الأهالي أن يمشوا حفاة، وألَّا ترتفع أصواتهم وأن يكون التَّكلم فيما بينهم همساً كي لا يزعجوا -والعياذ بالله -(إلي ما يتسموا)، وعلى جميع الأهالي اِلتزام بيوتهم من بعد الظَّهيرة إلى ضوء النهار، وكلُّ من يخالف الأوامر يُغرَّم أولاً بالنُّقود ثمَّ يُنفى من المدينة إن أعاد الكَرَّة، وإذا تمَّ طرده منها فليس له إلَّا الموت، لأنَّ الشَّياطين لن تسمح له بالإفلات من حدود المدينة، فلم يجرب إلى الآن أيّ منهم عبور حدود المدينة، بعد أن حاولت اِمرأة الهروب فلحقتها الأشباح فسقطت بالوادي السَّحيق وماتت، فأيقن أهل القرية أن الفرار منها نهايته الموت، فالتزموا المكوث داخل أسوارهم العالية وأقسموا في أنفسهم أنهم لن يغادروا منطقتهم ولن يسمحوا لأيٍّ من سكانها بكسر هذه الحيطان الَّتي بنيت من خيال وخوف.
الشَّاب خليل لم يعد يطيق النَّظر إلى إخوته الصِّغار وقد أهلكهم الجوع فجعلهم كفراخ طير صغيرة غابت أمّهم عنهم منذ وقت طويل فأمضَّها الجوع وأهزلها، فقال لأمِّه بصوت عالٍ: إلى متى سنعيش بين الحياة والموت وإلى متى نقبل الضَّيم والجوع والعطش، لن أبقى يا أمِّي على هذه الحالة وسأكسر قوانين رجال البلد، ولن أنظر إلى رئيس مجلس المدينة بوجهه الشَّاحب وعينيه اللتين غزاهما الخوف والقلق ولن ألتفت لكلام عجائز القوم، وسأكون من يعيد الحياة لقلوب أهل المدينة وعقولهم، وسأحارب الجان والشَّياطين والأشباح إن وجدوا، ولن أدع الخوف المتغلغل في قلوبكم يمنعني من نيل الحريَّة والتَّحرر.
قالت الأمَّ: أولاً أيَّها الشَّاب الصَّغير الأحمق لا ترفع صوتك وإلَّا سندفع غرامة مالية لا نقدر عليها وإن كنت ناسياً فسأذكرك أنَّ للجدران آذان، والأمر الآخر أنا غير مستعدة لخسارتك.
فإذا كان ولا بد فليفعل ذلك أيُّ شاب غيرك من أهل المدينة، فأنت غالٍ على قلبي وليس لي معين إلَّا أنت من بعد الله فأبوك مات وتركني وإياكم نعارك هذه الحياة الَّتي لم نذق من طعمها إلَّا المرارة.
يا أمي كلّ الأولاد غوالٍ على قلوب أهليهم مثلي، ولن نتحرر ممَّا نحن فيه حتَّى نخرج من هذه القوقعة الَّتي أدخلنا أنفسنا فيها، ولن نخرج منها إلَّا بأكفان، هذا إن وجد من يكفننا.
يا بني أرجوك ألَّا تفعل فبعد أن مات أبوك لم يبقَ لي سند بعد الله سواك.
يا أمِّي قد رسمت طريق الخلاص ولن أحيد عنه.
انتعل حذاءه رغم إنهم مُنعوا جميعهم من انتعالها ، وترك أمَّه وخرج إلى الشَّارع شبه الفارغ إلَّا من بعض الرِّجال الَّذين بدؤوا بالتَّراكض لحظة رؤيتهم لهذا المتسيب الغافل عن القوانين والتَّشريعات، وقد أخافهم رؤية الشَّاب منتعلاً حذاءه أكثر ممَّا أخافتهم قصَّص العفاريت والجن، فحاولوا الوصول إلى بيوتهم بسرعة فائقة مع الحرص الشَّديد على ألَّا يصدروا أيَّ صوت، قبل أن تقع الطَّامة الكبرى وتنفلت الأمور، وتأخذ الجن المدينة ومن فيها فتقلبها رأساً على عقب.
وصل خليل إلى مبنى رئاسة المدينة وصرخ بأعلى صوته: أنَّه لن يخضع لهذه القوانين الجائرة، وأنَّه سيحارب هذه الخزعبلات والأوهام بنفسه، ومن أراد أن يشترك معه فسيكتب بتاريخ المدينة أنَّه أنقذ شعباً من الهلاك والضَّياع، ومن سيخنع لنير الأوهام والأسقام، فنهايته قريبة في قبر ينتظره.
صرخ وصرخ دون أيَّ مجيب فكلّ من في المبنى اختبأ خلف النَّوافذ ينظر إلى هذا المجنون الانتحاري بأعين ملؤها الهلع والرُّعب.
حمل فأسه وخرج من حدود مدينته متِّجهاً إلى أرضه الزِّراعية وبدأ، بكلِّ قوة ونشاط باقتلاع الأعشاب الطَّويلة الَّتي غزت التَّربة فصارت الأرض كغابة كثيفة من الحشائش والأعشاب.
زوجة رئيس مجلس المدينة، طلبت من زوجها عدم الخروج أو الرَّد على هذا المجنون.
وماذا عليَّ أن أفعل؟؟؟
ادع مجلس المدينة لاجتماع طارئ صباح الغد، واتخذوا إجراءً ضد هذا المأفون الَّذي يتلاعب بأرواح النَّاس قالت له.
أجابها لنِعم الرَّأي رأيك، غداً سنضع حداً لهذا الولد الَّذي تخطى الحدود وأوقع المدينة وأمنها في خطر داهم.
رجع خليل إلى بيته دون أن يصاب بأيِّ أذىً، ودون أن يرى أشباحاً أو حتَّى صراصير.
كانت أمُّه تقف على شباك البيت، وما إن رأته حتَّى ركضت إلى أسفل الدَّرج لتتفحَّصه، فقد تلبَّستها وساوس الشَّياطين وفقدت الأمل في أن ترى ابنها ثانية.
بكت الأمُّ وأقسمت على ابنها ألَّا يخرج مرَّة أخرى وأن يبقى حافياً ولا يتكلَّم بصوت عالٍ.
دخل البيت وقد أقسم في نفسه أنَّه سيكسر القيد حتَّى لو كلفه حياته.
في اليوم التَّالي وعلى الرَّغم من توسلات أمَّه خرج الشَّاب ومعه فأسه بحذاء أثقل من سابقه فكان كلَّما مشى أصدر صوتاً مزعجاً ممَّا زاد النَّاس رعباً.
في مجلس المدينة وبعد أن اِجتمع الأعضاء تناقشوا بصوت خافت وقرروا الإمساك بهذا الحقير الَّذي جعل أيامهم سوداء وأدخل الرُّعب إلى حياتهم فزادت شقاء على شقاء.
طلب رئيس المجلس من الحراس أن يحضروا هذا الوغد.
وعندما حاول الحرس القبض على الشَّاب رفع فأسه وصرخ بكلِّ ما أوتي من قوة، فهرب الحراس خوفاً من أن تنزعج الجن والأشباح فتنتقم منهم، وتركوا الشَّاب بحال سبيله فانطلق إلى حقله غير مبالٍ بهؤلاء الجبناء.
بعد أن اجتمع مجلس المدينة من جديد، اِقترح رئيسه أن يمنعوا التِّجوال لمدة أسبوع عسى أن تختطف الأشباح هذا الشَّاب وتخلصهم من شره.
ولكن بعد يومين عندما شاهد كثير من الشَّباب أنَّ خليلاً لمْ يصبه أذىً ولمْ تمسَّه الأشباح بسوء، تجرأ أكثر من شاب وخرجوا لابسين أحذيتهم متجهين إلى حقولهم كاسرين حاجز الخوف لاعنين كلّ من كان سبباً بفقرهم وجوعهم وهجرهم أراضيهم، ومنذ ذلك الحين سقطت أسوار الرُّعب العالية واختفى رئيس مجلس المدينة وأعضائها.


