تأخر الوقت
كيف أستيقظ متأخراً واليوم لديّ اجتماعٌ هامٌّ في الشَّركة ! فقد دعوت له المندوبين والعاملين وحتَّى العملاء ، وعليَّ أن أكون أوّّل الحاضرين ، وسألقّن هذا السَّافل منافسي زاهراً درساً لن ينساه وسوف يرويه لأبناء أبنائه ، ليعلم أنَّ لحمي مرُّ وعظمي قاسٍ ، كم طلبت منه أن يبتعد عن صفقاتي ! وكم ذكّرته بأنَّي ملك السَّوق والتِّجارة ! وأنَّ اللَّعب معي ستكون عاقبة أمره خسراناً وهواناً ! لكنّه لا يفهم ولا يحاكم الأمور بعقله . أمّا بعد هذا الاجتماع فسيعرف أن الله حقّ ، ويقف عند حدوده الَّتي يجب ألَّا يتخطّاها قال التَّاجر سمعان في نفسه وأردف : على ما أظنُّ أنّ هذا الاجتماع هو الأهمّ في حياتي سأضع النُّقاط على الحروف ، وعندما أنتهي من اجتماع العملاء سأتابع مع الموظفين ، فهناك عدة اجراءات سأتخذها .
الموظَّف لامع سأطرده ، رغم فقره وحاجته للإنفاق على ابنته المعاقة ؛ لأنه يتأخر في أوقات كثيرة عن دوامه ، وحجتّه اهتمامه بابنته ، صحيح أنَّه يعيش وحيداً معها ، ولامورد ثانيَ له ، لكن شركتي ربحيّة ؛ وليست منظمة خيريّة أو دار أيتام ، سأطرده وليتدبَّر أمره من أيّة جهة تريد أن تكسب حسنات ، أمّا أنا فالعمل مقدّس لديّ ، ولا أريد أن يتعلَّم بقية الموظَّفين الإهمال منه ، فتصبح شركتي فاشلة في خبر كان ، وأخسر سمعتي وحضوري في السَّوق ، يا للهول ! ما أصعب هذه الكلمة عليَّ ! فأنا أريد جمع أموال أكثر من أموال قارون ، آااااه ؛ كم أحبُّ الذَّهب ! وعندما أرى السَّبائك مرصوصة في خزانة المنزل أشعر أنَّ الغيد الحسان يرقصن لي على مروج الربيع وأزهاره .
وسأعاقب بوّاب الشَّركة أيضاً بخصم من راتبه ، فقد تثاقل أوَّل البارحة بفتح الباب ، وعندما أحسّ بامتعاضي صار يعرج متظاهراً بألم قدمه ، ولكنّي أعرف أنَّ هذا المنحطّ يكرهني ويحسدني ، ويتمنّى لو كان مكاني ،
أما عاملة النَّظافة فسأوجّه إليها إنذاراً شديد اللَّهجة ، فقبل أسبوع تأخّرت في رمي أكياس القمامة في الحاوية ، وأعتقد أنَّها تعمّدت ذلك حتَّى تفوح الرَّائحة الكريهة في الشَّركة انتقاماً مني .
في الواقع حظّي سيئ مع الموظفين ، فعندما أزور شركات المنافسين أرى الحبّ في أعين الموظَّفين لأرباب عملهم ، أمّا أنا فأشاهد الحسد والغيرة في معظم وجوه موظفيَّ .
آااااه ؛ نسيت المستخدم حبيباً ، لاسامحه الله ، منذ أسبوع نسي أن يضع السُّكر بالقهوة لأكبر عملائي ، فجعلني صغيراً أمامه وكدت أذوب من الإحراج ، وأؤكد أنَّه كان عامداً ذلك ؛ فقد كرّرت عليه مئات المرات أن يعرف ماذا يطلب عملائي ، ولكنّي سأؤدبه وأجعله عبرة لكلّ من يريد أن يتهاون معي ، فكيف سيتصرف لو أنَّه كان يعطيني الرَّاتب الشَّهري أو كنت أعمل عنده ! لاشك سيرميني من الطَّابق الأخير ، ورّبما طردني إلى الشَّارع من أوَّل يوم ، الأمر لم يعد يحتمل التَّأخير ، فإذا لم أنظّم نفسي وحياتي فلن يكون لي اسم بارز في دنيا التِّجارة ، واليوم هو يوم الحسم فقد أتّخذت قراري الَّذي لا عودة فيه .
وسأزيد ساعات العمل على الموظَّفين ، من أراد الاستمرار فأهلاً به ومن أراد أن يستقيل فلا ردَّه الله .
ولكن أين بائع الحليب ؟ إلى الآن لم يصل ، كيف لي أن أذهب إلى الشَّركة دون شرب كأس من الحليب ! لن أشتري من عنده مرَّة أخرى ، سأشتري معزتين وأضعهما في الحديقة الخلفية للشركة ، وأجعل البوّاب يعتني بهما ، وبهذا أوفر ثمن الحليب وأملأ وقت البوّاب كاملاً .
والآن عليَّ أن أنهض من فراشي وأستعدّ ، فالوقت داهمني ، ولكن أين زوجتي ؟ لم أرها ! قد تكون عند جارتنا أمِّ زكيّ ، على فكرة هذه العائلة ساقطة سأطلب من زوجتي قطع علاقتها بها نهائياً ، قد تعوّدت ركن سيَّارتي أمام البناية منذ سنوات طويلة ، وعندما اشترى أبو زكي سيَّارة جديدة صار يركنها مكان سيَّارتي وكأنَّه ينتقم مني ، هذه العائلة ليست من مستوانا ، لن أسمح لزوجتي أن تكلّمهم ثانية ، قد تذكّرت أمراً آخر ؛ ابن عمي طلب مني مالاً البارحة وقال : إنَّه سيعيده خلال ثلاثة أشهر ، وأنا أعرف أنَّه يكذب ، وهو طامع بي ولن يُرجع المبلغ حتَّى لو عاش ألف سنة ، هذا الرَّجل سألغيه من حياتي ، وسأعطي تعليماتي للبوّاب بعدم السَّماح له بالدُّخول إلى الشَّركة .
ولكن مابي ؛ إنّي لا أستطيع تحريك قدميّ ، أووووف ماذا جرى فأنا لا أشعر بألم ! الله أكبر حتَّى يدي لا أستطيع رفعها ، أين زوجتي ! سأنزل بها عقاباً لم ترَ نظيره من قبل عندما أستطيع التَّحرك ، ها قد أتت فأنا أسمع خطواتها ولكن لماذا تبكي ! ماذا حصل حتَّى تلبس هذا الرِّداء الأسود الَّذي نبّهتها عدة مرَّات بألَّا تلبسه ؛ فهو يذكّرني بالحِداد وينغص عليَّ يومي .
هيه هيه ؛ تعالي ساعديني لا أعلم ماذا جرى لي .
ما هذا لا تردّ عليَّ ، ليس من عادتها ! سأرفع صوتي ، أظن أنها لم تسمع ، ما هذا لم تردّ أيضاً ! والله في الأمر شيء غريب ، أراها أمسكت جوالها وتتكلَّم مع أمها ، آاااه ، كم أكره هذه المرأة المتكبّرة المتعجرفة ! لو أعلم أنها بهذه الأخلاق المريعة لما تزوجتُ بابنتها ولكن هذا ما حصل ، وكلّ إنسان مرتبط بقدره .
فلأتنصَّت عمّ تتحدَّث هذه الغولة، ماذا أيتها الغبية من الَّذي مات ! أنا لم أمت ما زلت على قيد الحياة ولك أن تحدثيني ، أم أنَّ هذه أمنيتك ! وكيف دخل هذا الرَّجل الوقح إلى بيتي دون إذن مني ، هذا مؤذن المسجد ويعمل مغسل للموتى أيضاً ، وقد نهرته منذ أسبوع لأنَّه طلب مني زكاة أموالي لعائلة فقيرة ، أيحسب أنِّي أحمق ، أو أنَّ ريالتي تسيل من فمي حتَّى أبدد ثروتي في الهواء ! ومن هذا الَّذي يدخل الماء السَّاخن ! إنَّه ابني شاكر ، الحمد لله هو الوحيد الَّذي يفهمني ويستطيع إخراجي من هذا المأزق ، ولكن ما هذا الَّذي يحمله بيده ! أووووف إنَّه كفن ، هل صدّق هذا المجنون المخبول أنَّي ميت ! كنت دائماً أرى في هذا الولد شيئاً من البلاهة ، فهو يشبه أخواله ، ما هذه الورطة الَّتي لا أستطيع الخروج منها ! وقد كنت سابقاً أمرق كالسَّهم من رميته ، فكانت أيّة معضلة لا يصعب عليّ حلّها ، وأكسب بالحلال والحرام ، المهمّ أني أصل إلى مبتغاي ، على ما يبدو أنَّ الأمور تغيَّرت ، ولكني لن أركن ولن أستكين لهذا الوضع المقيت الَّذي لا أعلم من وضعني فيه .
انتبه أيها البغل ، المياه الَّتي تسكبها على جثماني ساخنة ، وأنت تدلّك بقوة ، أتحسب أنَّك تغسِّل خشبة لا روح فيها ، على ذكر الرُّوح يا شباب ما زلت حياً ، أفهموني وقدروا موقفي لا أريد أن أخرج من هذه الدُّنيا ، فمشاريعي وشركتي وصفقاتي ونجاحي بانتظاري ، وحّدوا ربّكم ، ما زلت قادراً على المتابعة ، ما لكم يا بلهاء لم لا تردّوا ! وهذا التَّابوت الخشبي من التَّافه الَّذي أوصى به ! اِحملوني بلطف أيها التَّافهون فجسدي يُضرب بأخشاب هذا الشَّيء الحقير ، حتَّى إنَّي بدأت أشعر بالوجع ، ومن الَّذي يسير وراء التَّابوت أليس البوّاب ! والله أرى ضحكته الخفيّة على الرَّغم من محاولته إخفاءها ، ولكنها تكاد أن تخرج وتفضحه ، أوف أوف وهذا المنافس يمشي وراء نعشي وهو غارق بالتَّفكير كيف سيحلُّ مكاني ! وبجانبه الموظَّف الحقير الَّذي كنت سأفصله وقسماته تنبئ عمّا في قلبه من سعادة .
ثمَّ من الَّذي سيصلّي عليَّ ! أليس هذا الشَّيطان المسمّى إمامًا للمسجد ؟! أصلاً لم أعد أدخل المسجد بسبب هذا المسخ منذ زمن ، حتَّى إنَّي تركت الصَّلاة نهائياً ، فدائماً كان يتحدَّث عن الإنفاق والصَّدقة ؛ وينظر إليَّ من طرف خفي وكأنَّه يقصدني ، يا أولادي يا زوجتي يا أقاربي يا معارفي أوقفوهم فهم يحثون التُّراب على وجهي وجسدي ، أرجوكم أتوسل إليكم ؛ سأعطيكم كلَّ ما أملك وأُقبّل أحذيتكم صباح مساء ، وأنفق على الفقراء وأصدَّق وأكون من الصالحين .


