جدال أحذية
مكتب للزواج
القرين

الهروب من المجهول

الهروب من المجهول………..

 
 
 
 
 
 
دخل وكأن وحشاً فاغراً فاه محاولاً ابتلاعه وأخذ روحه وجعله نسياً منسياً، أسرع مغلقاً باب بيته راكضاً إلى نوافذه المفتوحة فأغلقها، وأنزل السَّتائر بحركات عاجلة، وجلس على أريكته يستجمع قواه الَّتي خارت ويلتقط نفسه الَّذي ظنَّه للحظات أنَّه غادره بلا عودة.
ماهذا الوجه الَّذي أطال النَّظر إليَّ، أيعرفني!! أم يريد أن يخطفني أو ربَّما يقتلني!!! أم أنَّه قادم من الفضاء لينتقم مني!! أنا لم أرَ هذا الوجه في حياتي!! أكان صاحبه أبيض أم أسمر!! أم لا لون له!!! آااااااه لم أعد أذكر ماشكله،! ما أغباني كيف فاتني أن أحدِّق به وأحفظه بذاكرتي!!! يالي من جبان رعديد أحمق، إن عاد إليَّ يريد شرَّاً، فكيف لي أن أعرفه وأدرأ مكره عني!!! ولكن على ما أعتقد أنَّه لم يتعرَّف على منزلي، وعلى كل الأحوال أغلقت بابي ونوافذي، ولن يتجرأ أياً كان على مهاجمتي في بيتي، أنا متأكد أن هؤلاء القوم يريدون مافي عقلي من أفكار واختراعات، ليستعملوها ويخفوها عن البشريَّة، ففي السَّنة الماضيَّة عندما شرحت لجاري أبي ناظم عن اختراعي الذي سأصعد فيه إلى مافوق غلافنا، وإذا بي أتفاجأ بعد أشهر عندما كنت أراقب التَّلفاز ظهر لي برنامج يتكلَّم عن الفضاء وكيف أنَّهم يحاولون الخروج من مجموعتنا الشمسية والوصول إلى مجموعة أخرى، علمت يقيناً أن جاري أبا ناظم خائن مدسوس عليَّ لأجل لسرقت ما أملك من أفكار، ومنذ أن رأيته بعد هذه الحادثة بصقت في وجهه، وأخبرته أنِّي لا اريد أن أراه أو أجتمع معه، وكم هالني تصرفه، عندما أجابني أنَّه هو من يريد أن يقاطعني والمعضلة الكبرى أن أبا ناظم أصبح يهرب مني كلما صادفته، فعلمت أن تعليمات صارمة صدرت إليه أن يقاطعني فقد انتهت مهمته، والجاسوس الآخر يتهيأ ليحلّ مكانه، كم أنا متضايق من هذه الحياة الصعبة، حقاً حياة المشاهير شاقة، وحقاً المبدعون لايمكن أن يشعروا بطعم الحياة، فالعبء كلُّ العبءِ ملقى على كواهلهم، ولا أدري أستمر باختراعاتي وأفكاري أم أدع البشريَّة في غيها وضلالها وغبائها.
سأحاول أن أعد لنفسي غداء وبعد ذلك أعيد التَّفكير في ما أنا فاعل.
فتح باب الثلاجة صائحاً أوووووف كم أنا نَسّاء! قد نسيت إحضار الخبز، سأرجع إلى الدكان لشرائه، وما إن وصل إلى باب البيت، حتَّى توقف عن فتحه متذكراً الجاسوس الذي رآه منذ قليل وهو يتأمله، لا لا، لن أخرج اليوم وأعطي لأعدائي فرصة النَّيل مني، إذا كانت مخابرات العالم تحاول أن تصل إليَّ فهم مخطئون، فأنا أذكى بكثير ممَّا يتخيلون، أيظنُّون أنَّهم بمكرهم وخداعهم سيصلون إليَّ، أبداً فأنا صاحب العقل الكبير الرَّاجح والفكر المستنير ، سأجعلهم يندمون على أنَّهم وضعوا رؤوسهم الفارغة بجانب رأسي الممتلئ، إنَّهم واهمون وقد خابت ظنُّونهم وتخيلاتهم، فمن يملك عقلاً كعقلي يستطيع التَّخفي والاختباء بكلِّ سهولة ويسر، لن أخرج اليوم بطوله لأُرى أهؤلاء الأوغاد سيفوزون أم أنا!! لن آكل الخبز اليوم وسأكتفي بوجبة الرُّز أو البرغل، ولأنظر من أقوى وأعتى وأذكى! وأطلق ضحكة كادت أن تخرق الجدران والنوافذ المغلقة.
دخل مطبخة وباشر بإعداد وجبة من البرغل والعدس، وتابع محدثاً نفسه: كان عليَّ أن أتزوَّج وأريح نفسي من عمل المطبخ وإعداد الطَّعام، أجل أجل، الذنب ليس ذنبي فقد حاولت وخطبت الملعونة شيماء، وكم أحبَّبت هذه الفتاة، وقد أحبَّتني بالمقابل، لولا أنِّي أكتشفت أنَّ هذه الخائنة عملية اِستخباريَّة لأكثر من طرف، لكنت تزوَّجتها ولكن مع الأسف كانت غادرة، وقد عرفت هذا في المراحل الأخيرة، ولولا أنَّ الله بحبِّني لكنت في خبر كان، ولكان كلّ ما أفكر به وكلّ ما سأخترعه بأيدي هؤلاء الساقطين ولكانت الأرض بأكملها على كف عفريت، وقد حلفت لي هذه الكاذبة الأيمان المغلَّظة أنها لاتعرف عما أتكلَّم، ولكنَّي بذكائي وفطنتي وحسن تقديري، اِكتشفت أنَّها كاذبة خائنة، فأخرجتها من حياتي ورميت خاتم الخطبة بوجهها القبيح، وإلى الآن مع الأسف مازلت أشتاق إليها، ولكن إن عادت فسوف أطردها من حياتي ثانية، فمن يخن مرَّة يمكنه أن يخون آلاف المرّات.
قضى ليلته مشوَّش الفكر محاولاً أن يتلصص ناظراً من طرف السِّتارة مراقباً الشَّارع ومن يمر به، يحاول أن يحدّق بين أوجه المارة، عسى أن يكتشف بعض الرِّجال المجهولين الباحثين عنه، طلع الفجر ولم تغمض له عين، فالهمُّ الَّذي يحمله أكبر من أن يجعله يخلد للنوم، فهو يحمل همَّ الأرض ومن يعيش عليها، فالكائنات الفضائية الَّتي ستغزو الأرض تطلب رأسه أوَّلاً، وإنِ اعتقلوه فإن الأرض بخطر.
أراد أن يصنع لنفسه كأساً من الشَّاي بحث عن السُّكر فوجده قد انتهى، قرَّر الخروج إلى الدُّكان القريب من بيته، وصله وألقى السَّلام على البائع وسأله عن سعر السُّكر.
أتريده معبأً أم أزن لك من الكيس الكبير قال البائع؟؟؟
توقف لحظات وفكر: وما أدراني أنَّ الكيس المعبأ سلفاً قد يكون فخاً لي وهو معبأ لي بشكل خاص!!! وما أدراني أنَّ البائع ليس عميلاً متخفياً بلبوس بائع!!!! لاحول ولاقوة إلَّا بالله ماذا عليَّ أن أفعل!!!
لم تجبني يا جاري أيّ النوعين تريد؟
شكراً سأرجع لك بعد قليل، خرج من الدكان قائلاً في نفسه: سأشتري من دكان بعيد غير متوقع.
ترك البائع وخرج يبحث عن دكان آخر في الطريق أحس أنَّ هناك من يتبعه، لم يتجرأ أن يلتفت مشى بضع خطوات ثمَّ أطلق ساقيه للريح، ركض مسافة طويلة حتَّى شعر أنَّ قلبه سيقف، وصل إلى حديقة ورمى بنفسه على أقرب كرسي، وشرع يراقب الطَّريق العام والدّاخل والخارج إلى الحديقة، فأحس بالاطمئنان فلم يرَ أيّاً من الدلائل بأن هناك من يتبعه، على مايبدو قد أضعت من يراقبني، قال في نفسه، ما إن التقط أنفاسه فإذا بقطة تقترب منه مسح على ظهرها ثمَّ توقف خائفاً، وتساءل: ماذا لو كانت هذه القطة مرسلة من نفس الجهة الَّتي تلاحقني!!! اِنتفض واقفاً وركلها بقدمه فهربت مبتعدة تتلوى من الألم، هذا هو التَّصرف المناسب مع الخونة والجواسيس، أرى أن هناك دكاناً قريباً، فدخله وطلب من البائع كيلو من السُّكر.
أتريده معبأً أم أضع لك من الكيس الكبير؟؟
لاحول ولاقوة إلا بالله رجعنا إلى نفس القصِّة.
أريده جاهزاً ولكنِّي أنا من سأختاره.
تفضل فالسُّكر موضوع على هذا الرَّف.
الأوّل والثاني ثمَّ اختار الثالث، وانتقى خبزاً كما فعل مع السُّكر ودفع ثمنهما وخرج راجعاً إلى بيته، طيلة طريقه كان يتلفَت خشية من الملاحقة الدائمة، دخل بيته وأغلق الباب وقفله من الداخل، تفقد النَّوافذ المغلقة، وأغلق الستائر كالعادة وقضى وقتاً يراقب الشوارع والمارين، وبعد أن تأكد أنَّ الوضع آمن، دخل مطبخه ليعد الشَّاي والفطور فإذا الباب يُقرع، ترك مافي يده وركض باتِّجاهه، فمن غير العادة أن يقرع الباب، هل وصلوا إليَّ وعرفوا عنواني!! كم هي قوية هذه الجهة المجهولة!! حتَّى عرفوا أين أقيم!! وماذا عليَّ أن أفعل!! هل أفتح الباب وأطعن القادم بسكِّيني الَّذي كنت أفرم به الطعام ومازالت بيدي!! أم أبقى مختبئاً ولا أصدر صوتاً!!! مازال يكلم نفسه حتَّى سمع صوت أبي صالح  يكلم الطَّارق، ويسأله عما يريد فأجابه صاحب الصّوت إنَّه موظَّف في شركة الكهرباء ويريد أن يقرأ العداد.
هل أفتح!! وهل هذا الكلام صحيح !! وإذا لم أفتح الباب ربما يقطعون الكهرباء عني، وإذا ما قطعوها فسيعم الظلام بيتي وأصبح أكثر استهدافاً، سأفتح الباب وأفوض أمري لله.
اِنتظر أيها الرجل لمْ أنت مستعجل؟؟
فتح الباب ونظر إلى وجه الرَّجل الَّذي كان يحمل دفتراً ويلبس ملابس شركة الكهرباء.
الواضح حقاً أنَّه موظَّف بشركة الكهرباء قال في نفسه.
خير ماذا تريد؟؟ أريد أن أخطبك لنفسي قال متهكماً، ألا تعرف ما عملي؟؟
أجل أجل أعرف، ساعة الكهرباء خلف الباب تفضل.
حسن ابتعد قليلاً ووسع لي لأدخل.
 عفواً تفضل.
قرأ الموظَّف عداد الكهرباء، وخرج ولم يكلم الرَّجل.
أغلق الباب وتنفس الصُّعداء فقد أزيح عن صدره جبل ثقيل، دخل إلى مطبخه وتابع تحضير طعامه، ولكنه توقف فجأة ضارباً رأسه بيده، آاااااه ما أغباني كيف نسيت أن أنظر إلى الرَّجل من خلف السِّتارة لأتأكد من أنَّه موظَّف وليس بجاسوس عميل، ماهذا الخطأ الكبير الَّذي اِرتكبته!! ركض إلى النَّافذة ولكنَّه لم يرَ الموظَّف رجع إلى مطبخه وقد داخل الشَّكُ قلبه مجدداً. هل سأعيش حياتي بهذا الهروب الدَّائم من أولئك الأوغاد، يارب لمَ خلقتني بهذا العقل والفكر العميق مختلفاً عن أبناء جلدتي! ولكن يتوجب عليَّ ألَّا أيئس ولا أتراجع، فكلَّما كبر هدف المرء كبرت مشاكله وأعباؤه، وماعليَّ إلَّا الانتقال من هذه المدينة فأين أذهب!!!  الأمر غير صعب فبيتي بالقرية ما زال موجوداً وهو ينتظرني على ما أعتقد، بلا تأخر حزم حقيبته وفتح بابه مسافراً إلى قريته، دخل بيته القديم وبدأ بتنظيفه وقد شعر براحة لم يحس بها منذ أمد بعيد، وما إن انتهى من ترتيب أمتعته في خزانته حتَّى فتح السِّتارة، فرأى رجلاً جالساً على حافة الطَّريق.
فصرخ بكلِّ ما أوتي من قوة: الله أكبر أبهذه السَّرعة وصلوا إليَّ!!! ألَّا يوجد في الأرض كلّها مكان أختفي فيه، وبدأ إعادة أغراضه إلى حقيبته لعله يهرب إلى مكان أكثر أماناً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

ذات صلة

الأصل المجهول

الأصل-المجهول إنها كارثة أهل سوريا ومصيبتهم. عائلة أتت من المجهول لتجعل حياتهم جحيماً. لم تكتفِ عائلة الأسد بسرقة أموال البلاد

تابع القراءة »