جدال أحذية
مكتب للزواج
القرين

المِعِلاق

المِعِلاق…

شغف المعرفة لا يماثله شغف، وحبُّ التعلُّم خُلق مع خَلق الإنسان، ولكنَّ هناك فرقاً بين أن تتعلَّم لتحسِّن من معرفتك ولتزيد نفسك ثقافة وعلماً، وبين أن تحشر أنفك في كلِّ كبيرة صغيرة وتسأل عن عن ما يدور حولك لتكون على اطّلاع كامل على أدنى الأمور الَّتي لا تخصك في الأصل.
 شريف رجل وصل إلى منتصف الأربعينيات وقد كان متزوجاً ولكنه في الآونة الأخيرة طلق زوجه لأنها عقيم ولتفاقم الخلاف بينهما فكان ما كان، كما أنَّه ترك عمله وأصبح لديه الوقت الكافي ليخرج إلى الحديقة المجاورة لبيته ويمارس موهبته النَّادرة باستراق السَّمع على الآخرين.
فهو يشعر في نفسه برغبة عارمة جارفة ليعرف كلّ ما يدور حوله حتَّى إنَّه أحياناً يشاهد قطتين جالستين معاً، فيحاول الإنصات إليهما عسى أن يفهم أيّاً من كلامهما، وصل حديقته وبأعين الصَّقر الباحث عن فريسته جال بنظره أرجاء الحديقة ليعرف من أين يبدأ بحثه وتقصِّيه عمَّا قد يشبع رغباته الدفينة.
نظر إلى الرُّكن الأيمن منها فإذا به يرى رجلاً في السِّتينات من العمر ومعه امرأة توقع أنها زوجته وقد تصغره بعشرة أعوام.
اِنطلق مسرعاً إلى المقعد المجاور لهما وكان يدعو ربَّه في سرِّه ألَّا يسبقه أيَّ متطفل إلى هذا المقعد الهام، وصله لاهثاً ورمى نفسه عليه، كمْ شعر بالفوز والنَّصر عندما استقر عليه! وبعد أن جلس واطمأن فتح راداره  وحوَّل أذنيه باتِّجاه الزوجين محاولاً التقاط أيِّ حرف أو كلمة تُدخله في جو الحوار.
قالت المرأة أما زلت تحبني يا ماجد؟؟
وهل عندك شكٌّ بهذا يا زوجتي العزيزة؟
فإذاً لمَ لا تسمعني شيئاً من كلام الغرام والحب؟؟
لقد كبرنا يا زوجتي الحبيبة وأصبح لنا بنون وأحفاد ولم يعد هذا الكلام يناسبنا.
الله يرضى عليك كبرت وحدك لا تحسبني مثلك، فأنا أصغر منك بتسع سنوات، وفرق العمر بيننا كبير فأنا ما زلت شابة ولدي متسع من العمر كي أحياه ، حتَّى وقسماً بالله كلُ من يراني يظُّن أنِّي لم أتجاوز الثَّلاثين.
 أجل يا زوجتي الرَّائعة أرى أنَّك ما زلت بعمر الورود، لولا أن لنا حفيدة وصلت لعمر الزَّواج.
هل تريد أن تخبرني أن قطار الصِّبا قد فاتني ووصل لحفيدتي، ما كنت أعلم أنَّك حقود وحسود، وتغار من حسني وجمالي، فأنت -والله لا تستحق -إلَّا زوجة كزوجة صديقك أبي مفيد، فالتَّجاعيد تملأ وجهها، ولا يكفيها في كلَّ يوم رطل من المساحيق وحتى إنَّها تضع في فمها بدلة أسنان وتنزعها عند المساء ولا تعرف هل هي امرأة أم متحولة.
لا لا، لمْ تفهمي قصدي إنما عنيت أنَّك أصبحت على حائط الستين، وعليك أن تتركي هذه الأحاديث للأجيال القادمة.
إي والله لو حللت دمي ودم فتاة من هذا الجيل، لرأيت أن كل قائمة تحاليلي أفضل بمرات منها، ولو قست ضغطي لوجدته مثالياً أكثر من شاب يافع.
حسن أخطأت بحقك أيتها الزَّوجة الطَّيبة.
 طيبة!! ما بالك أيَّها الرَّجل الخرف قل أيتها الزَّوجة الحلوة أيتها الحورية النَّاطق بأحلى عبارات قيلت في الدُّنيا، أيتها الفراشة النائمة، أيتها الفتاة الَّتي لم يخلق مثلها في البلاد. حتَّى لو قلت أيتها الغزالة لرضيت.
وقبل أن يردَّ عليها أقحم شريف نفسه في حوارهما قائلاَ: هل تعرفين يا سيدتي أنِّي طلقت زوجتي منذ وقت قصير؟؟؟
نظرا إليه غير مصدقين أعينهما، فمن هذا المتطفل مختلس الأحاديث المتنصت على ما قالاه.
تابع شريف: أكيد لا تعرفين، وسأخبرك القصَّة،
زوجتي كانت تحمل لساناً بطول آلاف الأمتار ولا تسأليني كيف لها أن تضعه في فمها، لأنه ببساطة كان لا يدخل إلى فمها إلَّا عندما تحاول بلع الأكل، كانت صباح مساء تفتح قناتها ذات التردد العالي ولا تسكت إلَّا عندما تنام وأحياناً تتكلم بمنامها، فأضطر لترك الغرفة وفي مرَّات عديدة تركت البيت لها وهي نائمة.
 الرجل الطَّيب لم يخطئ معك ولو بحرف واحد، ويوافقك كيفما تشائين ويأخذك يميناً وشمالاً وأنت -لا تؤاخذيني بهذه الكلمة- ترفسين كحمار سُرق طعامه، عيب عليك أيتها المرأة الجحودة، عليك أن تعاملي هذا الطَّيب بشيء من الرَّحمة والرَّأفة وإلَّا والله العظيم سأكلمه وألح عليه أن يطلقك ويخلص من شرك ووقاحتك وسهام لسانك.
لم تكن المرأة إلى هذه اللَّحظة مصدقة ما تسمع، وقد أخرسها هول المفاجأة، أما الرَّجل فتدارك نفسه قائلاً: وما علاقتك أيها العفن بما يدور بيني وبين زوجتي؟ ومن أنت أيُّها السَّاقط لتحشر أنفك في ما ليس لك به شأن؟؟ هل عرفتك أيها المشرد قبل الآن؟؟
لا لا، يا طيب لا أعرفك ولا تعرفني، أردت أن أعمل معك خيراً، وأخلِّصك من هذه القنبلة الموقوتة.
أنا موقوتة أيَّها السَّافل أجابت المرأة وحاولت أن ترد له الصَّاع صاعين، لولا أن أمسكها زوجها
 طالباً منها عدم التَّكلم مع هذا الغبي الأرعن فربما يكون محششاً أو سكران.
اِذهب من وجهي أيَّها الرًّجل الحقير قبل أن أطلب لك الشُّرطة لتسحبك من رقبتك كفأرٍ أجرب.
والله الحقّ ليس عليك، إنما عليَّ فقد أردت أن أنصحك وأنتصر لك من هذه المرأة الظَّالمة، ولكن خيراً تفعل شراً تلقى، وتركهما غير آسف على هذا الرَّجل الَّذي أصبح بنظره كخشخيشة الأطفال، يُصدر صوتاً كما تحركه هذه المرأة الَّتي سماها قاهرة الجبابرة.
تركهما قبل أن يتطور الموقف وانصرف باحثاً من جديد عن ضحية أخرى يشبع فيها شغفه وحبَّه للغور في الأسرار والأحاديث الخاصَّة.
نظر بعيني الواثق من جديد فرأى فتاتين تجلسان وقد احتدم النِّقاش بينهما وبسرعة الغزال أسرع إلى الكرسي الفارغ بجوارهما، ومن شدَّة انفعالهما لمْ تشعرا بالقادم الجديد،
 فتابعتا حوارهما القاسي دون أيِّ تحفظ.
قالت الفتاة لصديقتها وهي في منتهى الغضب: أنت السَّبب الرَّئيس بتركي خطيبي.
أنا؟ ولماذا أكون السَّبب الأوحد.
ألم تري كمْ كان مهتماً بك؟ وكمْ كان يحبُّ أن يجالسك وكأنَّك خطيبته ولست أنا!
إذا كان خطيبك قليل الذَّوق ولاتعبئ عينيه أيّة فتاة، وكان يتصرف بحضورك بهذه الوقاحة فما ذنبي أنا؟
كل الذنب ذنبك لقد كنت تجذبينه بملابسك غير المحتشمة، وكانت ضحكاتك الخليعة تملأ المكان، ومشيتك توحي أنَّك فتاة لعوب، كلُّ هذا أثَّر على علاقتي به، فقد كنت أرى مقلتيه تجحظان كلَّما مررتِ أمامه.
ليست لي أيَّة علاقة مع هذا الشَّاب ولم أكن مكترثة به.
أصلاً هذه الشَّخصيات لا تثير اهتمامي ولا أنظر إليها حتَّى بطرف عيني.
 وتابعت الصَّديقة: أنت لمْ تعرفي كيف تحافظين على خطيبك فأنت من خربت حياتك وحياته، وعلى كلِّ حال الوقت لمْ يفت الوقت تستطيعين أن ترجعي إليه وتتواصلي معه من جديد.
هل تريدينني؛ أن أعيد علاقتي مع هذا الخائن السًّاقط ذي العين الفارغة، لقد أقسمت إنني لن أرجع له حتَّى ولو فرش لي الأرض وروداً.
ولمَ لا تريدين الرَّجوع يا بلهاء. أتعتقدين أنه من السَّهولة أن تجدي شاباً للزواج.
اِنتفض صاحبنا قائلاً: أيتها الخائنة للصحبة ولكلِّ شيء جميل في هذه الحياة، فمن المعيب أن تغدري برفيقة عمرك، ومن العار أن تلفتي أنظار خطيبها وتخطفيه، ألَّا تستحين أيتها الفتاة الجاحدة.
نظرت إلى صاحبتها مستفسرةً: أتعرفين  هذا الرَّجل؟
لا والله.
أليس من أقاربك؟
أبداً والله أوَّل مرَّة أراه.
 اِلتفت الفتاة إلى شريف صارخة بصوت سمع صداه بكلِّ أنحاء الحديقة.
مَن أنت أيها الحقير حتَّى تصفني بهذه الصِّفات القذرة؟
أنا شريف جار الحديقة، ومهتم بأمور النَّاس أحاول الإصلاح ما استطعت.
ردَّت الأخرى يا لك من رجل نذلٍ، ومن  سمح لك أن تتدخل بيني وبين صديقتي العزيزة.
يا حمارة صديقتك سرقت منك خطيبك وأنت نائمة بالعسل، وبدلاً من أن توبخيني عليك أن تقطعي علاقتك بهذه الغادرة.
إن لم تنقلع من وجهي قسماً بالله لأصرخنَّ بأعلى صوتي وأجمعنَّ عليك كلَّ من في الحديقة، أُغرب عن وجهي قبل أن أُكرِّهك حياتك.
 أي لا تشدي على نفسك كثيراً، كلُّ الحقُّ عليَّ فأنا من أرادت أن يفعل الخير، فخار يكسر بعضه بعضاً مبارك عليكما أنت وهذه الخائنة، حقاً السَّفاهة والغباء لا حد لهما.
تركهما بوجهين وكأنَّهما لتوهما رأتا شبحاً يريد أن يأخذ روحهما وابتعد عنهما غير آسف على ناكرة الجميل تلك.
لا حول ولا قوة إلَّا بالله دائماً أحاول عمل الخير فينقلب ضدي وأنا الَّذي أردت أن أنصح هذه الشَّقية الشَّابة، ولكن مزمار الحي لا يطرب، لو كنت أظهر على  برنامج اجتماعي على التَّلفزة لكانوا جميعهم وقفوا لي احتراماً وطبقوا إرشاداتي بكلَّ حذافيره.
ولكن الَّذي لا يملك حظاَ لا يشقى ولا يتعب، قال في نفسه شاعراً بالخيبة وتابع سيره عسى أن يجد ما يفعله.
بعد خمس دقائق من تجواله وبحثه المتواصل شاهد رجلين جالسين يتناقشان بصوت منخفض، وكالعادة اقترب إلى وجلس على الحشائش فلمْ يجد مقعداً فارغاً ليجلس عليه، وتابع استماعه لحديث الرَّجلين.  
 قال الرَّجل الضخم: قسماً بالله لولا أنَّك صديقي لتصرفت معك تصرفاً غير لائق، كيف طاوعتك نفسك أن تمدَّ يدك إلى أرباحي وتسرق منها؟؟
أجابه الرَّجل الآخر: أما زلت تعمه في غيك !!! صحيح أنَّك تمتلك جسداً ضخماً، ولكن مع الأسف رأسك يحمل عقل عصفور لمَّا يفقس من البيضة بعد،  يا رجل كمْ مرَّة عليَّ أن أقول لك إننا خسرنا في الصفقة الأخيرة، وأن الأرباح التَّي جنيناها في الآونة الأخيرة قد طارت.
خسرناها وأنت لم تعطني كشفاً بها أتظنُّني أكبر المغفلين في هذا الكون؟؟
ألم أخبرك أن المحاسب كان مريضاً وأنَّه في حالة نقاهة، وفور عودته للعمل سنصفي الحساب، وأقسم بالله على الرَّغم من أنَّك صديقي الأوحد وشريكي الَّذي أحبُّه وأفتخر به، ولكنني لن أشترك معك في المستقبل بأيِّ عمل تجاري، هل نسيت أنِّي أنا من دلك على طريق التِّجارة وأنا من فتح لك باب الأرزاق من بعد الله.
أراد الرجل الضَّخم أن يردَّ ولكنه تفاجأ بشريف ينتفض قائلاً: (لعما بعيونك) الرَّجل يقول لك: إنَّ الحساب جاهز، وإنَّه ينتظر المحاسب ليشفى، ألا يكفيه أنَّه من علَّمك على طريق التجارة حتَّى تثق به، ألا يكفيه أنَّه انتشلك من قاع الفقر الذي كنت تخرق به وجعلك في عداد التجار وأصحاب الأموال، ونظر إلى الرَّجل الآخر وتابع: لو كنت مكانك لرميت ناكر الجميل هذا في سلة المهملات، لعما ضرب قلب هؤلاء النَّاس، لم تعد أعينهم تشبع من شيء حتَّى ولو أكلت الدُّنيا وما فيها.
نظر الرَّجل الضخم إلى صديقه قائلاً: أتعرفه؟
هز الرَّجل رأسه نافياً، وبسرعة البرق اندفع الضَّخم دون أيّ كلام أو مقدمات، تقدم إلى شريف وأوسعه ركلاً وضرباً ، ورغم محاولات صديقه منعه والإمساك به إلَّا أن الوضع خرج عن السَّيطرة، وأفرغ الرَّجل الضَّخم كلّ ما في قلبه من حقد على صديقه برأس هذا المتطفل الأحمق، تركاه مضرجاً بدمائه وهربا، تجمع عليه بعض المارة وحملوه إلى المشفى القريب، بعيد لحظات اِستفاق من إغمائه وعندما وقع نظره على من يجاوره في الغرفة رأى طبيباً يتكلَّم مع ممرضته بصوت منخفض، فما كان منه رغم أن الدِّماء تغطي وجهه إلَّا أنَّه استدعى الممرضة وسألها: هل لك أن تخبريني بالتَّفصيل الممل ماذا كان يقول لك الطبيب؟؟؟؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

ذات صلة

الأصل المجهول

الأصل-المجهول إنها كارثة أهل سوريا ومصيبتهم. عائلة أتت من المجهول لتجعل حياتهم جحيماً. لم تكتفِ عائلة الأسد بسرقة أموال البلاد

تابع القراءة »