السخاء الخفي………
عيد الأضحى اقترب يا حمدان وأنت رجل تملك كثيراً من الأموال وحرام عليك ألَّا تضحي كل هذه السَّنوات، فالأضحية من سنة نبينا، جهز نفسك في هذا العيد لأجل أن تحيي هذه السِّنة الرَّائعة قالت زوجته.
أجابها: والله يا زوجتي منذ زمن بعيد وأنا أفكر في هذه الخطوة العظيمة، ولكن كما تعلمين أن قلبي ضعيف رقيق ولا يحتمل سفك الدِّماء، لذلك كلما هممتُ بذبح الأضحية ردعني قلبي ولم يطاوعني.
إي صحيح صدقتك أيُّها المخادع فسخونة جسدك لا تعطيها لمحتاج، وأنا لم أرَ أبخل منك على سطح الأرض وكأنَّك والمَحل خلقتما في ساعة واحدة قالت في نفسها وأردفت: يا حمدان العمر يمضي وقد لا نعيش للسنة القادمة على الأقل نلاقي ربنا بشيء من الخير.
ماذا تقصدين؟؟ هل تعنين أنِّي لا أفعل الخير مطلقاً؟؟ إي قسماً بالله أنا سأحمل إلى ربي كتاباً صالحاً تنوء بحمله الإنس والجن ، أتعلمين أنَّه في السَّنة الماضية طبخة الفاصولياء الَّتي لم تأكلي منها بسبب فسادها كما ظنَّنتِ وأردتني أن أرميها في القمامة، أعطيتها للأرملة أمّ محمود وكمْ شعرت بالفرح والسُّرور؟؟.
أجل أعلم، وبعد ساعتين نقلوها وولديها إلى المشفى.
نقلوها إلى المشفى بسبب شراهتها وحبِّها المفرط للطعام، والله أعلم ماذا أكلت وأتخمت بطنها.
الآن لا نريد كثرة الحكي والكلام، فالعيد بعد غد، وعليك أن توصي على خروف كبير.
ولمَ يجب أن يكون كبيراً؟؟
حتَّى نمرَّ على الصِّراط ونحن راكبون عليه.
لا حول ولا قوة إلَّا بالله، وهل ستلحقني هذه المرأة على الصِّراط أيضاً!! ألَّا يكفي أنِّي مبتلى فيها في الدُّنيا، وأنا كنت أمنِّي النفس أن أنفرد بنفسي عندما أدخل الجنة، يا الله، في ذلك الوقت قد لا تشملها رحمة الله ولا ترافقني إلى الجنة وأخلص من شكاويها وكثرة كلامها قال في نفسه.
نظرت إليه الزَّوجة قائلة: بماذا تتمتم أيَّها الرَّجل؟؟
لا شيء أوحد ربِّي.
ماذا قررت ألن نضحي في هذا العيد؟؟
سنضحي ولكن لا تلحي عليَّ ودعيني قليلاً لأحسب حسابي، وأعرف كمْ سأصرف!!! ألَّا يكفيني ما سأشتريه لأجل الضيوف من حلوى فلا تكوني أنت والزمن عليَّ.
ما شاء الله من يسمعك يظنُّ أنك حاتم الطَّائي بالكرم، فما تشتريه من أجل الضِّيافة تأبى الحيوانات أكله، اُتركني لا أريد الكلام فقلبي مملوء منك ومن أفعالك.
أتظنِّين أنَّي أَلمُ أموالي من الطُّرقات، أنا أشقى وأتعب لأحصل على أموالي من عرق جبيني، وأنت تريدينني أن أنثرها في الهواء ليأخذها كلُّ من هبَّ ودبَّ، وكأنَّها أموال تأتي من سحت؟؟
لا يا زوجي أريد أن أرفع رأسي بك وأريد أن تكون سمعتك بين النَّاس كليرة الذَّهب.
قسماً بالله سمعتي كأرطال من الذَّهب فكلُّ من يشاهدني في الطَّريق يحترمني ويكلمني بكلِّ إكبار وتبجيل.
أجل قد صدَّقتك، المهم الآن أن ننتهي من هذا الجدال ونذبح خروفاً.
ذبح ذبح، أليس في فمك غير هذه الكلمة!!! اِنتهينا من النِّقاش وسوف أوصي على خروف وأمري لله.
إي هيك من البداية، أنت تعذبني دائماً.
خرج حمدان يضرب أخماسه بأسداسه على هذا البلاء الصَّباحي، سابّاً اللَّحظة الَّتي خطب فيها زوجته قائلاً: الله يسامحك يا أمِّي على هذه الزَّوجة الَّتي لزقتها بي فلولاك لما ابتُليتُ بها وتزوَّجتها.
وصل إلى سوق الغنم وطاف بنظره بين مئات الأغنام وعندما رأى خروفاً مكتنزاً قال هذا طلب أمُّ اللسان الطويل، اِتَّجه إلى صاحبه وبدأ (بمبازرته) ولكنَّه رأى أنَّه لا فائدة من الاستمرار، فالخروف كبير والسِّعر عالٍ، ولن يشتريه حتَّى لو أوصله إلى سدرة المنتهى، ولولا زوجته الَّتي لا تأتي منها إلَّا المصائب وإلحاح مقيت، لما فكّر أن يقترب من سوق الغنم ولو حالماً، فالمال أخو الرُّوح، أطال البحث إلى أن وجد ضالته خروفاً هزيلاً بالكاد يستطيع الوقوف على حوافره، وحتَّى إنَّ صاحبه كان سيتركه في سوق الغنم إن لم يبعه.
اِقترب من الخروف بتؤدة كما يقترب الوحش من فريسته يود لو استطاع خطفه والهرب به، ولكن ليست كلُّ الأمنيات مستجابة.
كمْ سعر هذا المسمى خروفاً سأل صاحبه.
الحمد لله جاء الفرج قال البائع في نفسه وأسرع مجيباً: ألف ريال.
أووووووف ألف ريال أتظنُّ أنَّك تبيع جملاً، أنت وخاروفك لا تساويان هذا المبلغ، قل قولاً يُسمع أيَّها الطَّماع، هل قال لك أحد إنِّي أملك نصف البلد، فما أنا إلَّا رجل فقير بالكاد أتدبَّر أمر معيشتي.
نظر البائع إلى ثياب حمدان وحالته الرَّثة وتيقَّن أنَّ الرَّجل فقير فسأله: بكم تريد أن تشتريه؟؟
بمئتي ريال ولا أملك غيرهما.
قال البائع في نفسه لتكن صدقة سأوافق على البيع.
حسن يا رجل، ولكن أريد أن أُنبهك إلى شيء مهم، فهذا الخروف كما تراه مريض، ولا يجوز لك أن تقدِّمه لأجل الأضحية، فمن سنة نبينا صلوات الله وسلامه عليه أن تكون الأضحية سليمة صحيحة من كلِّ ضررٍ.
هذا الأمر لا يخصك، خذ نقودك واكفني من نصائحك، فأنا أدرى بديني ودنياي.
كما تريد أيُّها الرجل خذ خروفك فقد صار من نصيبك.
جر خروفه وهو بقمة السَّعادة فما دفعه من نقود لأجله لا يساوي سعر ثلاثة كيلو غرام من اللَّحم.
وصل إلى القصاب وتركه أمانة للغد ليُذبح بعد صلاة العيد، فقد أراد الاستعجال قبل أن يَنفق الخروف، فمن الواضح أنَّه في لحظاته الأخيرة وأن الحياة كرهته والموت يطلبه في كلِّ دقيقة.
ما إن دخل إلى البيت حتَّى سألته زوجته: ماذا حصل معك يا حمدان.
قد اشتريت خروفاً كأنُّه فيل، لو رأيته لبكيت فرحاً.
هل تقصد أنَّه يحملني وإياك على الصِّراط؟؟
ما بك يا امرأة!! أقول لك مثل الفيل وتسألينني هل يستطيع أن يحملنا، من دون يمين لو ركب عليه أهل الحي لحملهم.
سامحني يا زوجي فقد ظلمتك في نفسي.
لا عليك المهم أن نستعد غداً لتوزيعه على الفقراء والجيران ولا تنسي أحداً، فالأمر أصبح برقبتك.
كما تريد يا أحلى حمدان في العالم.
حمدان فقط؟؟؟
لا لا، قصدت أحلى رجل في العالم.
بعد صلاة العيد ذُبح الخروف وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة وقطِّع لعشرِ حصصٍ كما طلب حمدان. حمله راجعاً إلى بيته ووضعه على الطاولة.
فسألته زوجته: أين بقية الفيل؟؟
هل تهزئين بي؟؟
لا لم أقصد ولكن مافي هذا الكيس يدل على أنك ذبحت قِطاً.
عارٌ عليك أيُّتها المرأة هو خروف بكلِّ معنى الكلمة، ولكنَّه بعد أن ذُبح وأُخذ منه الجلد والرَّأس والحوافر فمن الطَّبيعي ألَّا يبقى إلَّا القليل من اللَّحم.
حسن، قد كتبت في هذه الورقة كلّ من نريد أن نعطيهم من لحم عجلك، وأخفت اِبتسامة تقول: هذا ظنِّي بك أيَّها الشَّحيح فعلى ما يبدو من أوَّلى الخطوات سنسقط كلانا والخروف إلى قعر جهنم، وسيظلم هذا الخروف معنا قالت في نفسها.
جيد أعطني القائمة لأرى، فتح القائمة فصرخ صوتاً وكأنَّ زلزالاً ارتجَّ البيت منه.
ماهذا؟؟ أمُّ سليم ألَّا تعرفين أنِّي أكثر ما أكره في هذه الحياة هذه المرأة!! ألم تسمعي أنَّ زوجها مات مقهوراً من غلاظتها، أخرجيها من القائمة.
كما تريد.
وتابع القراءة، أبو محسن هذا الرَّجل لا خير فيه، السَّنة الماضية وضع عجلته أما بيتنا واصطدمت بها ولولا ستر الله لكسرت قدمي.
اِمحيه من القائمة.
وتابع القراءة: الله يصلحك؛ أمُّ منار هذه من أسوأ الجيران ولسانها سليط ألا تتذكرين كيف أنَّها في السَّنة الماضية غسلت شرفتها وكلّ المياه سالت على دبس البندورة الَّذي كنا ننشره في الشَّمس.
قالت الزوجة ممتعضة اِشطبها أيضاً.
وما هذا !!! أبو راغب لا أحبُّه، وأمُّ سامرٍ لسانها طويل وأبو عامر لا يسلِّم عليَّ ويهرب من مواجهتي، وأبو شفيق لا أرتاح إليه.
ثمَّ طوى القائمة قائلاً: ضعي اللَّحمة في الثَّلاجة وأنا سأوزعها لمن يستحقها، وأعطني أوَّل كيس لآخذه لأبي سعيد فهو صديقي وأحبُّه كثيراً.
كما تريد قالت الزَّوجة وهي تسبُّ من كان السَّبب في زواجها من هذا البخيل.
حمل الكيس وخرج يبحث عن أبي سعيد وقد رآه من بعيد وعندما همَّ باللَّحاق به، نظر إلى ما يحمله من لحمة فلم يطاوعه قلبه بالتَّخلي عنها، وحدث نفسه بصوت مسموع: والله قد تذكرت قبل خمس سنوات خاصمني هذا الرَّجل لمدة أسبوع، ولولا أنَّ جارنا عثمان أصلح بيننا لما كلَّمني إلى الآن، صحيح أنِّي أحبُّه ولكنِّي أحبُّ أموالي أكثر، هذا الرَّجل لا يستحق، وعاد إلى بيته كما خرج، ولما سألته زوجته قال لها إنَّه لم يجد أبا سعيد.
وُضع اللَحمة في الثَّلاجة لعدة أيام وحمدان يؤجل توزيعها بكثير من الحجج الواهية، إلى أن تلقى اتصالاً من ابنته الَّتي تعيش بالبلدة المجاورة، أنَّها في حالة ولادة وتريد من أبيها وأمها أن يأتيا إليها.
بسرعة جهزا نفسيهما، وعندما طلبت الزَّوجة منه أخذ حصة من الخروف لابنتها، قال لها لا وقت لديهما وهي في حالة حرجة والوضع غير مناسب.
وبعد أن وضعت ابنتيهما اِطمأنا عليها ثمَّ عادا إلى بيتهما بعد أسبوع، وما إن فُتح الباب حتَّى شمَّا رائحةً نتنةً خارجة من الثَّلاجة، ركض حمدان وفتح الثَّلاجة فوجد أنَّها معطلة وأنَّ كل ما فيها من طعام قد فسد وأنَّ لحمته أصبحت نتنة لا تصلح إلَّا للقمامة.
حمد الرَّجل ربَّه وخر ساجداً، فرميها في القمامة أسهل عليه من استمتاع الآخرين بالتهامها.


