الرضى بالواقع
قالت أمُّ صهيب لجارتها أمِّ حسيب : مللتُ من السُّكنى في هذا البيت الشَّرقي ، فمنذ الصّباح الباكر تضرب الشَّمس بعصاها الحارّة نوافذي معلنة بدْءَ يوم جديد ، وأنا أرغب بالنَّوم ولا أحبّ الاستيقاظ باكراً ، وأفكر جدّيّاً ببيعه ، والإنتقال إلى بيت لا أرى فيه الشمس .
أجابت جارتها : وأنا الأخرى كرهت حياتي وبيتي والبناية الَّتي أسكن فيها أيضاً ، فمنذ أربعين عاماً سكنت هنا ولم أرَ الشُّروق الجميل، الَّذي يبعث في القلب الفرحة ويزيل كلّ غمّ وهمّ ، فمنزلي غربي لا أرى ضوء الشَّمس إلَّا عندما تبدأ بالزَّوال المخيف ، وتنطفئ في منظر يُدخل الحزن والتشاؤم إلى فؤادي ، كم أتمنى لو كان الوقت كلّه شروقاً للشمس !
ردَّت أمُّ صهيب : كم أنت حمقاء يا جارتي العزيزة ! أهناك أجمل من منظرها وهي تغيب ! ألا تري تدرّج ألوانها وتمازجها ! إلى أن تختلط بين الأصفر والوردي والأحمر متداخلة في بعضها ؛ كأنَّ يد فنان أبدع في رسمها فأخرجها تحفة لا نظير لها .
ألا تشعرين كم هي رائعة وبديعة هذه الألوان ! أم أنَّك لا تفهمين بالفن والإبداع !
لم أرَ أجهل منك يا أمّ صهيب ، من هذا الغبي الَّذي يبدل غزلانه بقرود ! ألا تشعرين بجمال الشُّروق وبما يبعثه من أمل في صدور النَّاظرين ! ألم تشعري يوماً أنَّ الشَّمس ترسل لك رسالة محبة عندما تقرع على نافذتك ، وتخبرك أنَّ العمر متجدد والحياة حلوة وطعمها رائع ! أم أنَّ داخلك المظلم لم يخبرك أنَّ الشُّروق يعني ولادة جديدة ومحبة وعطاء قالت أمّ حسيب ، وقد بدا الضِّيق على وجهها يتزايد .
أنا داخلي مظلم ! كنت أقول دائماً : مالهذه العجوز الشَّمطاء تقضي معظم أوقاتها جالسة على شرفة منزلها ، تراقب رجال الحيّ بعينين ملؤهما التَّصابي ! وكنت حائرة في أمري ، والآن عرفت ما يدور بخلدك أيتها المحتالة الشَّقية ، فعلى ما يبدو أنَّك ما زلت تحلمين بفارس الأحلام بالرَّغم من تجاوزك سن اليأس بأعوام كثيرة ، وما زال قلبك ينبض بالصِّبا ، لذلك تحبين الشُّروق وتتغزلين به ، ولا أستغرب أنَّك تصبغين الشَّيب الَّذي ملأ رأسك حتَّى تلفتي نظر عجائزك المعجبين .
أنا (يا أم قويق) عجوز شمطاء ! وأنا من أراقب الرجال في الطَّريق وأصبغ شعري لأجلهم أيضاً ! لم أشأ التَّحدث في الموضوع ، ولكنك فتحت عليك جبهة لن تغلق ، أتحسبين أنَّي نائمة على أذنيَّ ؟ كم مرَّة شاهدتك وأنت تمشين متلصّصة على رؤوس أصابعك بانتظار جارنا أبي أحمد ! وعندما ترينه تغدقين عليه الابتسامات بالمجان ، وأنا طيبة القلب لم أشأ أن أخرب بيت أبي أحمد ، فكنت أجعل من نفسي حجارة عمياء صمّاء ، وليكن بعلمك – أيتها الوقحة – أنَّي لن أسكت بعد اليوم وسأخبر أمَّ أحمد عسى أن تردع زوجها عن هذه الأفعال الصِّبيانية المعيبة أو تجد لك حلّاً .
يا عيب الشؤم عليك يا أمَّ حسيب ! أنسيتِ منذ عامين كيف مثّلتِ السُّقوطَ عند مدخل الدَّرج وأمسكتِ بيد أبي طارق ، وقد ظنّوا جميعهم أنها حادثة عابرة ، وأنا الوحيدة التي عرفت أنَّها مفتعلة ، فقد أبديتِ كامل أنوثتك الزَّائلة لهذا الجار الغبي الَّذي ساعدك ولم يفهم مغزى حركتك.
أنا فعلت هذا أيتها الفاجرة ! والله لأذيقنَّك من القطيعة والجفاء ما لا تقدرين عليه ، وعارٌ عليَّ إن لم أفضحك أمام الملأ وأكشف خبايا نفسك أيتها العاهرة .
هذا ما كنت أخاله بك ؛ فمستواك لا يرقى إلَّا إلى هذه الكلمات البذيئة الَّتي لا تخرج إلَّا من فم خَرِفَةٍ لم تعد تشعر بحالها ولا بمحيطها .
سأريك أيّتها الشمطاء ما أنا فاعلة ، وخرجت أمُّ حسيب وقد بدت العداوة البغضاء والضغينة على وجهها .
مضت أيام والخصومة على أشدّها ، وقد سمعت نساء البناية بهذا الخلاف الحادِّ بين الجارتين ، قررت أمُّ عاصم أن تقوم بواجبها الإنساني ، وتحاول حلّ الخلاف .
وبعد محاولات عديدة استطاعت الجمع بين الطَّرفين المتخاصمين .
قالت أمُّ حسيب : أليس من المعيب أن تصفيني بالعجوز الشَّمطاء ! وتتهميني كذباً أنِّي أجلس على شرفتي لأراقب الرجال ! وكلّكم تعرفون أن الوحدة قتلتني ، وليس لي ملجأ لأرفِّه عن نفسي إلَّا هذه الشُّرفة ، وأقسم بالله إنِّ هذه النَّافذة لهي أهمّ خِلّ لي في هذه الدُّنيا .
أجابتها أمُّ حسيب : ألم تتهميني في شرفي ؛ عندما قلتِ لي : إنِّني أنتظر أبا أحمد لأغازله ! والله يعلم إنِّي أحرس البناية من اللصوص ، وكان عليك أن تشكريني !
ألم تفتري عليَّ وتقولي : إنّي تعمّدت السُّقوط لأمسك بيد أبي طارق ! والله يشهد إنَّ قدمي زلت ومنذ ذلك الحادث إلى الآن تؤلمني .
لا نريد أن نفتح الماضي ، ولا نريد أن نزيد البغضاء والتَّفرقة ، فأنتما جارتان منذ عشرات السِّنين ؛ ومن المعيب أن تختلفا على أمور تافهة، ما صلب خلافكما ؟
قالت أمُّ حسيب : هي تحبّ غروب الشَّمس وأنا أحبّ شروقها .
هل هذا خلافكما تساءلت أمَّ عاصم مستغربة ؟!
أجل ، هذه هي بؤرة خلافنا ، والمشكلة أن بيتها باتجاه الغرب وبيتي باتجاه الشَّرق قالت أمُّ صهيب .
إذاً لتتبادلا المواقع أنت اسكني في بيتها وهي تسكن في بيتك ، ويادار ما دخلك شرّ .
فكرة جميلة قالت أمُّ صهيب ، ردَّت أمّ حسيب ونِعم الرَّأي ، من الآن سأفعل إن أحبّت جارتي .
طبعاً أريد بل أتوق إلى ذلك التَّغيير ، على الأقل أخلص من قيظ الشَّمس وغلاظتها .
انتقلت الجارتان بسرعة كلّ واحدة إلى مكانها الجديد .
صباحاً استيقظت أم حسيب باكراً وقد شعرت بحرارة الشَّمس الَّتي طلبتها ، ولكنها لم تشبع من النَّوم ، وبقيت طيلة النهار موجعة الرَّأس ، تطلب الرَّاحة ولا تجدها وتجدد الأمر لبضعة أيام حتَّى شعرت أنَّ حياتها أصبحت جحيماً لا يطاق .
أما أمُّ صهيب فقد أحسّت بخمول لم تعهده في جسمها من قبل ، نظرت إلي الغروب وقد كانت تحبه قبل أن تنتقل إلى هذا البيت الَّذي يحاكي الأشباح والأموات ، أين أنت يا شروق الشَّمس ! وأين النَّشاط ! أشعر أنِّي قد تقدمت بالسنّ ووصلت إلى نهاية الطَّريق ، وما زالت تندب حظها حتَّى سمعت قرعاً على الباب ، فتحت بعد أن وصلت إليه بخطوات متثاقلة فإذا بأمِّ حسيب تقول : كيف حال منزلي يا جارتي العزيزة أتنامين جيداً ! أشبعت التَّأمل من غروبي الَّذي فقدته كم فقدت الأم رضيعها !
سأقول لك أمراً عسى أن تفهميه : أقسم بالله لن أختلس النَّظر إليك ؛ افعلي ما شئت وتحدَّثي مع من تشائين ، فلن ألتفتَ إليك ولن أتابع أعمالك ، ولكن بشرط أن ترجعي لي بيتي وشروق الشَّمس ومنظرها الرَّائع قالت أمّ صهيب .
وأنا أيضاً أريد العودة إلى منزلي و إغروب شمسي، وسأتغاضى عن كلّ ما فعلته وقلته ، ولن أنظر إلى زلّاتك وسنرجع أحبّة كما كنّا ، ومبارك عليك شروق الشَّمس ومبارك عليَّ غروبها قالت أمُّ حسيب .


