الرَّؤى الصَّادقة
ماءا رأيت اليوم في منامك يا صابر ؟
لم أرَ شيئاً ذا أهمّيَّة أو قد أكون رأيت حلماً ولكني لا أتذكره .
لا تُخفِ عني ما بداخلك ، فأنا متابعتك ومراقبتك ؛ تنبَّه على نفسك فإن أردتَ أن تغامر بعدم إخباري فيا ويلك ويا سواد ليلك !
لم أنتِ – يا زوجتي العزيزة – تشعرينني دائماً أنَّي رجل سيئ ، ونيتي غير صافية رغم أنك لم تلاحظي يوماً أن عيني لعبت على إحدى النِّساء ، أو تسامرت مع إحداهنَّ من ورائك ؟
قال (يا مؤمّنة بالرّجال مثل المؤمّن على الماء في الغربال).
كما تشائين ولكني رجل أخاف الله ولا أعمل أيّ أمر يخالفه .
وهذا ما يخيفني ؛ بمعنى لو أنك تواعدت مع إحداهنَّ لقلتُ هي نزوة وتمرُّ ، ولكنّ المعضلة أن تتزوَّجها على سنة الله ورسوله ، وهذا ما يجعلني متوجِّسة منك .
لا تخافي ، ليس هناك أيّ مشروع فأنا لا أبدّلك بنساء العالم .
حسنٌ ، لنرَ ، والماء يكذب الغطّاس .
في اليوم التَّالي وحالما استيقظت الزَّوجة سألت صابراً ماذا رأيت اليوم ؟
اليوم بالصَّلاة على النَّبي رأيت صديقي القديم عارفاً وقد جلب لنا هديّة .
ومن هذا العارف ؟
صديقي منذ الطُّفولة لمّا تتعرَّفي عليه بعد ، وقد كان من أعزِّ أصدقائي ، ولم أره منذ مدة طويلة .
وما الهديَّة الَّتي أحضرها ؟
لم أعرف ماهيتها بشكل دقيق فهو مجرد منام .
مناماتك تتحقق وأنا واثقة من أنَّه سيأتي ، هل نسيت عندما رأيت أنَّ هناك خاطباً قد جاء إلى ابنة عمي وبعد يومين تحقق الأمر ؟ وألا تتذكَّر عندما شاهدتني أسقط في الشَّارع وقد حاولت الانتباه كثيراً بعد أن أخبرتني ولكني سقطت ؟! وعندما رأيتَ أن أخي نجح في الشَّهادة الثَّانوية وقد كنا غسلنا أيدينا من نجاحه فإذا به ينجح ، كلُّ ما تراه – يا زوجي – يتحقق ، لذلك أسألك كلَّ صباح لأعرف ما سيجري معي .
ولم تكمل جملتها إلّا والباب يُقرع.
خير – إن شاء الله – من القادم ! هل لك يا صابر أن تفتح الباب ؟
وما إن فتحه حتَّى رأى رجلاً خُيّل إليه أنّه يعرفه .
نظر إليه لحظات ، ثمَّ ضمّه بين ذراعيه ، فهذا صديقه القديم عارف وقد تحقق المنام .
وبعد الاحتضان والتَّحيات دخل وتذكَّرا أيامهما الماضية ، وقضيا وقتاً ممتعاً إلى أن غادر الصديق ممتنّاً لهذا الاستقبال .
قالت الزَّوجة : مثلما توقَّعت قد أتى صديقك هل لك أن تخبرني كيف تتحقق أحلامك ؟
والله لا أعلم ، أراها في نومي دون تفكير مسبق ، وعندما استيقظ يتحقق كثير منها .
الله يجيرنا من أحلام السّوء .
سأذهب إلى السَّوق أترغبين بشيء محدد ؟
لا، سلامتك ، ولكني أريد أن أرافقك ، فقد كُتم على نفسي من طيلة الجلوس في البيت .
حسنٌ تفضّلي معي .
وصلا السَّوق وطفقا يساومان بائعي الخضروات والفواكه ، ومن شدة ازدحام الزَّبائن اصطدم صابر بإحدى الفتيات، وتناثرت حبّات البرتقال على الأرض ، فأسرع يلمّها ويعتذر من الفتاة على ما سبب لها من إزعاج .
مضت الأمور في مجراها الطَّبيعي إلى أن عادا إلى البيت ، وعندما أغلقت الزَّوجة الباب سألته بسرعة : مَن هذه الفتاة الَّتي اصطدمت بها ؟
الحمد لله ؛ كنت معي ورأيتِ الحادثة بأمّ عينيك ، وعرفت أنَّ ما جرى ليس مدبَّراً .
أتظنّني غبية أيها الماجن ! أم تظنُّ أني ضيَّعت عقلي عندما رضيت بالزَّواج بك ؟
إلى الآن لم أفهم ما قصدك وما الخطأ الجسيم الَّذي ارتكبته !
لمَ لمْ تخبرني بأمر فتاة السُّوق ؟
وكيف سأخبرك بأمرها وأنا لا أعرف من هي ! وأقسم بالله لم ألتقِ بها إلَّا اليوم .
يا لك من أفّاق كذّاب ! ألم ترها في منامك البارحة أو قبل البارحة ؟
لا لم أرها ، وهل تعتقدين أنَّي أعلم الغيب ! كلّ ما أراه أخبرك به ، وقد يتحقق وقد لا يتحقق .
أقطع ذراعي من الإبط إن لم تكن رأيت تلك الفتاة في أحلامك ، وتكلَّمت معها وواعدتها ، والله يعلم أين ستلتقي بها مجدداً ، وقد تتّفقان على الزَّواج ، وربّما اتّفقتما ؛ فكيف لي أن أدخل إلى تلافيف دماغك وأعرف ما تفعل !
كبّري عقلك يا زوجتي ؛ فقد أقسمتُ لك إنَّي ما رأيتها ، وعلى كل حال عندما أراها في المنام سأطلب منها أن تنسى هذا الموقف البريء الَّذي حصل .
بريء يا كاذب ! أريد أن تخبر هذه السَّاقطة خطَّافة الرِّجال أنَّ لك زوجة غاية في الجمال ، وأنَّه لا يمكن لك أن تستبدلها بحوريات البحر ولا بملكات جمال الأرض ، وأريد منك أن تصفعها على وجهها الحقير وتطلب منها أن ترحل نهائياً عن حياتنا ، وإلَّا والله العظيم لن أمكث دقيقة في هذا البيت ولن يصفو لك قلبي طيلة حياتي .
كما تريدين أيتها الغالية وقد أراد أن ينحني للريح فيأخذها على قدر عقلها ، ويمتصّ غضبها .
نام صابر ، وبعد ساعة استيقظ على يد تهزّه بقوة وسمع صوت زوجته تسأله بقلق : ماذا حصل معك هل أخبرت هذه السَّاقطة أن تبتعد عن حياتنا ؟
أجابها والنَّوم يغلب عينيه : لم أرها ، وعندما ألتقي بها سأخبرها إكراماً لك وتنفيذا لرغبتك ، والآن أرجوك أن تنامي .
عاد صابر إلى نومه الَّذي لم يدم أكثر من نصف ساعة أخرى حتَّى شعر أنَّ هناك من يوقظه .
فتح عينيه فرأى زوجته ، خيراً ماذا هناك !؟
لم تردّ عليَّ وتخبرني ماذا حصل معك ؟!
يا بنت الحلال ، والله لم أشاهدها، عليك بالنَّوم والاستراحة ، وعندما أشاهدها سأستيقظ وأخبرك .
جيد قال (اِلحق الكذّاب إلى وراء الباب) لنرَ نهاية الأمر معك ، والله العظيم لن أدعك تتم ما في عقلك .
لاحول ولا قوة إلا بالله على هذه الورطة ، وأدار ظهره وراح في نوم عميق .
هيه هيه صابر ، ما بالك يا امرأة !؟ صار الوقت منتصف الليل وأنت ما زلت تغوصين بأوهامك !
نامي يا بنت الحلال ، فالصَّباح رباح والنهار له عيون وسنتحدَّث .
ولكنّي شاهدت حلماً وأريد أن أخبرك إياه ، وقل اللهم اجعله خيراً .
حسبنا الله ونعم الوكيل تفضلي قولي ماذا شاهدتِ .
رأيتك تسير معي في حديقة مزهرة غنّاء وكنّا بغاية السَّعادة ، إلى أن ظهرت هذه الوقحة خطَّافة الرِّجال ، فهجمت عليها وأوسعتها ضرباً ، حتَّى فرَّت مني فلحقت بها وضربتها بحجر فأدميت رأسها .
ما هذا الفيلم (الهوليودي) ! اذهبي للنوم وغداً لنا أحاديث .
طبعاً سأذهب للنوم ؛ فقد شفيت غليلي من هذه الحقيرة وغداً لي تصرف قاسٍ معها .
نام ليلته بقلق ، وما إن طلع الصَّباح حتَّى رأى زوجته قد ارتدت ثياب الخروج منتظرة استيقاظه .
إلى أين الهدف إن شاء الله ؟
سنخرج كلانا إلى الحديقة لأنفّذ ما رأيته البارحة .
ضحك صابر من قصر عقل زوجته قائلاً : لم أكن أظنُّ أن تحملين هذا العقل الصَّغير ! هدانا الله وإياك . وهل أعطاك الله علمه !
أقسم بالله إن لم تخرج معي الآن لأغادرنَّ البيت ولا أعود ثانية . الأمر لا يحتمل المزاح فقد دخلنا بالجدّ ، وأنا أنتظرك لتحدّد موقفك ، إمّا أن تصحبني إلى الجنة أو أتركك تغوص في قعر جهنم .
لا لا، أبعدنا الله عن النَّار وعن عذابها ، جهّز نفسه وخرج مع زوجته كما طلبت إلى الحديقة القريبة ، جالت بنظرها إلى أن شاهدت الفتاة ، صرخت : الله أكبر قد تحقق حلمي وسأري هذه النَّاقصة السّارقة عاقبة دخول البيوت من نوافذها ، وركضت باتجاهها ، وما إن وصلت إليها حتَّى صفعتها بقوة ورمتها على الأرض ، وداست على بطنها ، وصل صابر متأخراً ، وبعد محاولات أبعدها عنها وقد أدمتها، وقد وصل زوج المرأة أيضاً ، وعندما وجدها مُلقاة على الأرض والدِّماء تنزف من فمها هاله المنظر ، وطفق يضرب ويصفع ويرفس صابراً بعد أن فقد رشده ، ولم يتركه إلَّا بعد أن جاء ثلة من المارّة وخلصوه من الرّجل ، وبعد أن رضي كلّ طرف بخسائره ، عاد صابر تجرّه زوجته وقد أُدمي جسمه ، و إصاباته بادية للعيان .
لمَ فعلت هذا يا زوجتي ؟
ألم أخبرك ما رأيته في منامي ؟
ولكنها ليست الفتاة الَّتي اصطدمت بها في السَّوق.
ماذا ليست هي ! ولمَ لمْ تخبرني بذلك !؟
وهل تركت لي فرصة لأتكلَّم ! فقد انطلقتِ كعاصفة هوجاء آخذة بطريقها كلّ ما تراه .
إذاً غداً -إن شاء الله – سنكرر الأمر فجهز نفسك .


