جدال أحذية
مكتب للزواج
القرين

الحقيقة المرة

الحقيقة المرَّة

 
 
 
في بيتها المليء بالأشياء والأمتعة، الفارغ من كلِّ روح إلَّا من روحها.
فعندما كانت فتاة جميلة في عمر الزُّهور كان يُضرب المثل بجمالها ورشاقتها، أما الآن فقد عبرت حائط الخمسين من العمر وتجاوزته بسنوات، أمسكت (ألبوم )الصُّور تتفحَّصه، فقد أصبح ملاذها الوحيد وأنيسها الدَّائم.
قلَّبت صفحاته إلى أن وصلت إلى صورة توقفت عندها، كمْ كان لهذه الصُّورة من أثر كبير في حياتها! أخرجتها من مكانها وأغلقت الألبوم وتابعت النَّظر إليها.
لقد أعادت لها ذكريات طالما حاولت أن تمحوها وتبعدها عن مخيلتها.
فهنا كانت تلبس ثوب زفافها الَّذي لم يتمَّ، تساقطت دمعات على صورتها، فمسحتها بِكُمّ سترتها وتابعت التَّذكر.
قالت لها أمُّها يومذاك: إن أهل حامد سيأتون ليخطبوك من أبيك.
ومن قال لك: إنِّي أركض وراء الزَّواج ما زلت شابة صغيرة والزَّمن لن يجري.
يا ابنتي قد أصبحِت في سنِّ الزّواج والعمر يمضي بسرعة، ومدة الرغبة بالزَّواج من لفتاة قصيرة لأنها تذوي كزهرة بيضاء عطشى، فما بالك مُعرضة عنه؟! في كلّ شهر يأتيك شاب أو شابان وأنت رافضة، صحيح أنَّك رائعة الجمال وحلم لأغلب شبان المدينة، لكن من المُحال أن يطول هذا الاقبال.
هل تريدين أن ترميني رمية الكلاب لأيّ شخص يأتي طالباً يدي، أم أنَّك تكرهين إقامتي بينكما أنت وأبي؟
 يا ابنتي قد جاءك كثير من أرقى شباب المدينة ولم يعجبك العجب ولا الصِّيام في رجب،وأنا وأبوك لن ندوم لك مدى حياتك.
وماذا أفعل يا أمِّي إذا كان حظي سيئاً، فأحمد ليس بالطويل، وعادل لم تكتمل شخصيته، وصبحي ضعيف الحضور ومنساق لأمِّه ويسمع كلامها، ويوسف فقير، وحمدي سمين، وسامر أسمر، وسميح شعره خفيف، ورفيق لون بشرته شقراء على الرَّغم من أنَّه شاب جيد ولكنِّي لا أحبُّ هذا النَّوع من الجمال، وموسى غليظ الطبع، صحيح أنَّه غني ولكنَّه غير مرغوب، اتركيني لا أريد أن أتكلَّم عن البقيَّة الباقيَّة، فلهم على كتفي ملائكة.
حسنٌ يا بنيتي والآن أهل حامد يريدون أن يأتوا إلينا فما ردُّك؟ وهل سترفضينه كما رفضت الآخرين.
لا أعلم ولكنِّي لا أرتاح لأخته هيام الفضولية، وحتَّى إنَّها وقحة في كثير من الأحيان، وعندما أراها يتعكر يومي.
يا ابنتي يا حبيبتي مالك وأخته، نحن لا يهمنا إلَّا الشَّاب ولن تتزوَّجي عائلته، أنت لك من الشَّجرة عود والباقي تأخذه القرود، ماذا قلت يا بنية؟؟؟
دعيني أفكر؟
فكري ولكن ردِّي الجواب بسرعة فالنَّاس ينتظرون.
في اليوم التَّالي سألتها أمَّها ما قرارك؟
حسناً يا أمِّي فليأتوا ولنر ما سنفعل.
تمام، سأخبر أباك ونتَّصل بهم ليحضروا.
ولكن قد لا أوافق، بمعنى أنَّ كلَّ هذا موافقة مبدئية، فلا تكرهيني على فعل ما لا أريد.
لن يجبرك أحد فهذا مستقبلك وحياتك.
انتهت مراسم الخطبة وحُدِّد موعد الزَّفاف، وبينما كانت صالة الزَّفاف تعجُّ بالمدعوين، وكان العريس يقف بجوار العروس همست له قائلة: يا حامد أنت لي منذ اليوم لي وحدي طيلة العمر، ولا أريد أن يشاركك معي أيّ إنسان آخر، وخاصَّة أخواتك ولا أمُّك، ولا أريد أن يأتينا أيُّ زائرٍ منهم قبل أن يأخذ موعداً، وعليهم الانتباه ألَّا تطول زيارتهم، كما أنِّني لا أرغب في زيارتهم إلَّا في أحايين متباعدة، وعندما نرزق بأطفال لن أسمح لهم أن يتربَّوا ببيت جدهم، فأنا أمُّهم وأولى بتربيتهم، كما لا أريد منك أن تعمل مع أبيك في دكانه، بمعني أنت ملكي فحسب .
ولكنَّهم أهلي ولن أستطيع أن أتخلى عنهم.
وهل تستطيع أن تتخلى عني؟؟
ولا أريد أيضاً التَّخلي عنك.
إذاً عليك أن تنفذ ما أطلبه منك وإلَّا.
وإلَّا ماذا؟؟؟
كلُّ منا يذهب في طريق.
ولكنِّي أحبُّك ولا أريد خسارتك.
إذاً عليك أن تفعل ما أريد.
هل هذا آخر كلام لديك.
أجل ولن أتنازل عن مطالبي.
 تركها حامد واِتَّجه إلى (المكرفون) الموضوع على جانب المسرح.
وطلب من الحضور الإنصات قائلاً: قد خيرتني عروستي بينها وبين أبي وأمِّي وبقيِّة عائلتي، وقد اِخترت عائلتي والجنَّة، لذلك أعلن إلغاء حفل الزَّفاف وكلُّ منا سيذهب في طريق.
انتهت مراسم الزَّفاف بفاجعة لهذه الفتاة، فقد عَزَفَ الشَّباب عنها رغم من جمالها، ولكن ما جرى في حفل الزَّفاف أصبح حديث المدينة.
ومضت السُّنون دون أيِّ اعتبار لحسنها ، فنُسيت بين دفاتر الزَّمان إلى أن بقيت في هذه الدَّار وحدها بعد أن رحل أبواها، وأصبحت الجدران أهلها وعائلتها،
منذ أكثر من شهر سكن رجل في الطَّابق الأسفل من بيتها، صادفته أكثر من مرَّة وهي خارجة لتقضي حاجاتها، ولقد شكَّت أنَّه مهتم بأمرها.
صحيح أنَّه قصير القامة وأصغر منها بسنوات، وأشقر، وذو صلعة لامعة، وعلى ما يبدو أنَّه فقير، وقد تكون طباعه لا تناسبها، ولكن إن أراد أن يطلب يدها فلن تمانع، وليس لها طلبات كثيرة إنَّما تريد السِّتر فحسب.
رآها صباحاً تحمل الخضار فعرض عليا المساعدة، وكمْ لامت نفسها أنَّها لم تسمح له بحملها ولم تدعه إلى بيتها لشرب فنجان من القهوة، ولكن أسرّت في نفسها أنَّها في المرَّة القادمة ستكون أكثر لباقة في الحديث معه، وستحاول أن تفتح معه أحاديث متنوعة، فيبدو أن الرَّجل خجول ولا يستطيع أن يفاتحها بموضوع الزَّواج، أقسمت أنَّها لن تطلب منه مهراً فهي ليست بالطَّماعة، حتَّى إنها ستسكنه في بيتها، وإذا احتاج الأمر فستصرف عليه من راتب أبيها التَّقاعدي، ولن تحمِّله نفقات قد ينوء بها، وقالت في نفسها:إنَّها لن تزعجه ولن تكلفه منه ما لا طاقة له به، وستكون ستراً وغطاء له، وإذا ما رزقنا بأولاد ستترك له أمر تربيتهم، وقفت لحظات ثمَّ تذكَّرت أنَّها دخلت سِن اليأس ولن تحمل أبداً، تابعت: الأولاد غير مهمين المهم أن أقضي ما تبقى من حياتي مع زوج يفهمني ويقدِّرني، ولن أشترط إذا ما كان طويلاً أو قصيراً ولا غنياً ولا فقيراً وحتَّى وإن كان قبيح الشَّكل فلن أهتم، المهم أن يكون ابن حلال.
غداً سأكلِّمه وأفتح معه الموضوع وأشجِّعه ليبوح ما في داخله.
 قُرِعَ الباب صباحاً.
الله يعطيني خير هذا الوقت من سيأتيني في هذا الوقت المبكر!!! قالت ذلك وقامت من سريرها متجهة إلى الباب، وقبل أن تفتح نظرت من العين السَّاحرة، فشاهدت من جعل قلبها يسقط بين قدميها، أجمل منظر قد تظنُّ أنَّها رأته بحياتها، إنَّه الجار زوج المستقبل الموعود.
ياالله ماذا أفعل!! ركضت إلى المرآة ووضعت أحمر الشِّفاه وبسرعة مشطت شعرها، وصبغت وجنتيها بشيء من الحمرة، ، ورجعت إلى الباب لتفتح للحبيب الولهان، وتقرُّ له القبول إن هو طلب يدها، وسيطلبها دون أدنى شكّ، فهي واثقة بجمالها الَّذي لن يزول. وهرعت لتفتح الباب عندما همَّ بالمغادرة فقد طال الانتظار.
أهلاً بالجار الطَّيب تفضل ما طلبك، فكلُّ ما تطلبه مُجاب أنت عليك أن تشير بأصبعك وأنا جاهزة للتنفيذ.
العفو منك سيِّدتي فكلُّك ذوق، أردت إخبارك أنَّ مجرور حمامك يرشح ماءً على حمامي.
مجرور أيها الغبي التَّافه، ألهذا الأمر قد أتيت، مجرور يدخل فيه رأسك إن شاء الله
ولكن لا لا، تابعت في نفسها: على ما أظنُّ أنَّه يتحجج بهذه الشَّكوى، وأن القادم خير.
وهل يرشح الماء على حمامك بشكل دائم؟؟
لا لا، في أوقات معينة فحسب، وعلى ما يبدو عندما تستعملينه فقط.
 حسن، اليوم أو الغد سأحاول أن أحضر مصلِّح المواسير فلا تشغل بالك بالأمر، هل هناك أمر آخر تريده مني، فأنا حاضرة ولا تخجل أيَّها الجار الطَّيب.
والله أنا خجلٌ منك وكنت أريدك بأمرٍ ولكنِّي أشعر بالإحراج الشَّديد منك، وكنت أخاف أن أطلبه، ولكن بعد أن تأكدت من سعة صدرك ، وأخلاقك العظيمة سأفاتحك بالموضوع.
اتَّسعت ابتسامتها حتَّى كاد طرفا فمها أن يصلا إلى أذنيها ، وقالت طلبك مقبول تفضل إلى الدَّاخل لنتكلَّم بالتَّفاصيل.
لا لا، شكراً لا وقت لدي ولكنِّي أريد منك أن تذهبي معي إلى بيت جارتنا نجاح، لأطلب يد ابنتها، فأنا غريب وليس لديَّ أهل هنا وأعتبرك كأمي، وأرجو ألَّا أكون قد أثقلت عليك.
أمِّك يا ابن السِّتين كلب، أمِّك ياصرماية عتيقة يا أعمى البصر والبصيرة! أقسم بربِّي على الرَّغم من أنَّك أصغر سناً مني، ولكن من يراك يظنُّك جدّي ولولا العيب لرميتك من شرفة منزلي كفأر أجرب، قالت في نفسها.
وتابع عريس الغفلة صب الزَّيت على النَّار قائلاً: عقبال أحفادك، ماذا قلت يا أمي العزيزة؟
حسن، سأرى إذا كان لدى وقت فارغ.
أغلقت الباب بشدَّة فسُمع صوته في آخر الحارة.
أمَّك أيها السَّاقط الغبي،قال رضينا بالهم والهم مارضي فينا، وأحفادي يا عديم الفهم والنَّظر.
اتَّجهت إلى المغسلة لتنظف المساحيق الَّتي وضعتها على عجل، نظرت إلى المرآة ولأوَّل مرَّة لاحظت التَّجاعيد الَّتي غزت وجهها، وشاهدت الشَّيب الأبيض الذي يوشك أن يدفن فلول الأسود ، تساءلت عن بريق عينيها أين ذهب، وما هذه البقع الغريبة الَّتي ظهرت فجأة دون سابق إنذار! لأوّل مرَّة عرفت أن الزَّمن وطأ عليها وأنَّ الشَّباب هرب منها وماتبقّى من العمر أقلُّ بكثير ممَّا مضى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

ذات صلة

الأصل المجهول

الأصل-المجهول إنها كارثة أهل سوريا ومصيبتهم. عائلة أتت من المجهول لتجعل حياتهم جحيماً. لم تكتفِ عائلة الأسد بسرقة أموال البلاد

تابع القراءة »