التَّصرف الحسن
خرج الشَّاب صادق من بيته متِّجهاً إلى بيت صديقه لينفذ وعده بزيارته صباحاً وليتناولا الطعام الإفطار معاً، اِنتظر الحافلة الَّتي أتت بعد وقت قصير، صعد إليها وبعد أن تفقدها وجد فيها كرسياً فارغاً فجلس عليه، بينما اِنطلقت الحافلة بكلِّ اِنسيابية ويسر، وصارت تتوقف في أماكنها المعتادة وبعد موقفين، صعد إليها رجل عجوز بدت على وجه علائم التَّعب والهرم، وما إن وصل إلى جانب الشَّاب صادق حتَّى نظر في وجهه فرأى فيه صورة أبيه الَّذي أكل الدَّهر عليه وشرب وأخذ من جسده وعافيته ما أمكنه أن يأخذ، قال في نفسه: كيف لي وأنا الشَّاب مكتمل الصِّحة أن أجلس وأرتاح وهذا الرَّجل الَّذي على ما يبدو أوَّل ما تقف الحافلة فإن الملك عزرائيل ينتظره بفارغ الصبر، بل ويناديه
باسمه كلّما سعل أو تنفس، انتفض قائلاً: تفضل يا عمّ أجلس مكاني، لم يتأخَّر العجوز بتلبية رغبة صادق ولم يشكره إلَّا بعد أن جلس واستقر على الكرسي وأيقن أنَّ الشاب لن يتراجع بقراره، وقف صادق ممسكاً بحديدة مثبتةٍ بجانب كرسيه القديم ليحافظ على توازنه، وقد اِمتلأ قلبه فخراً بما فعله مع هذا العجوز الضَّعيف، لولا أنَّه سمع حواراً بين العجوز وجاره الجالس بجانبه.
قال العجوز: هل تعرف أين يوجد نادي الكرامة الخاص للياقة البدنية؟
بعد خمسة مواقف فأنا أعرفه بشكل جيد بل أرتاده بشكل منتظم، هل تريد التَّسجيل فيه أجابه صاحبه.
أجل لقد نصحوني به فأنا أمشي كلّ يوم حوالي السَّاعتين، ولكنِّي أجد أن هذا لا يكفي فأنا أشعر في نفسي العافية التَّامة وأريد أن أُفرغ الطاقة الَّتي أملكها في التَّمارين القاسية أجابه العجوز.
نظر صادق إليه من طرف خفي قائلاً في نفسه: أعندك كل هذه الطاقة أيَّها الرَّجل المهترئ وأنا أعطيتك مكاني لأنِّي ظنَّنت أنك ميت وبالغلط تمشي، وتابع في نفسه قائلاً :ما أغباني! هذا العجوز يمشي ساعتين وأنا بكلِّ سهولة أعطيته مكاني وممَّا غاظه أكثر أن العجوز كان ينظر إلى الفتاة القريبة منه نظرات خبث وشهوة، وتابع في نفسه: لكن لا غضاضة فقد نزلت في الطرف الآخر فتاة وأصبح مكانها فارغاً، أسرع إلى الكرسي الفارغ وجلس بعد أن اِختلس نظرة نصرٍ إلى العجوز الَّذي ما زال مستمراً في شرحه للرجل عن حالته الصِّحية العالية ورشاقته ولم ينس العجوز ان يتابع اختلاس النَّظر إلى فتاته كلما سنحت له الفرصة.
ولكن يا فرحة ما تمت لقد صعدت اِمرأة ساحبة صغيرها الَّذي لم يتجاوز الثَّالثة من العمر، ووقفت بجانب صادق وكأن المعمورة كلّها أشارت إليه أنَّه مسؤول عن كلِّ من سار عليها، وبدأ بحوار داخلي حامي الوطيس، وكان هناك صوت يُوبخه ويصرخ به، وقد خاف للحظات من أن يسمعه من في الحافلة، يا قليل الأخلاق والوجدان يا من لمْ تُربّ في بيت أبيك تربية صالحة، كيف لك أن تجلس وتدع هذه المرأة وطفلها واقفَين، أليس لك أخوات !! ألا تعتقد أنَّك ستتزوَّج وقد توضع زوجتك وابنك في المستقبل كوضع هذه السَّيدة! عار عليك أيَّها الشاب ما بعده عار، قم وأعطِ هذه المسكينة مكانك، وقف الشَّاب بسرعة بعد أن استجاب للأمر الدَّاخلي وكأنَّه صدر من قيادة عسكرية قائلاً: تفضلي يا سيدتي اِجلسي مكاني، شكرته المرأة وجلست وأجلست طفلها في حضنها، لحظات قليلة ثمَّ تركها الطِّفل واِنطلق يزرع الحافلة جيئة وذهاباً، يركض في كلِّ الاتجاهات غير عابئ بخطورة لهوه، والأم تصرخ عليه تارة وتغفل عنه تارة أخرى، قالت لها الجالسة بجوارها: أمسكي هذا الطفل فقد يصاب بأذى.
حُمى إن شاء الله تأخذه كمْ هو شقي! وكمْ يرهقني وراءه طيلة اليوم دعيه يركض ويلعب حتَّى ينام باكراً فأرتاح أجابتها.
وأنا الَّذي حسبت أني أفعل خيراً!! أردت أن أجعل هذا الشَّقي مستريحاً على كرسيه فإذا بي كالأهبل أقف أنا وهو والأم تنعم جالسة مكاني، ولكنِّي أرى أن هذه الفتاة تستعد للنزول، وما إن قامت حتى هجم على كرسيها كصقر جائع اِنقضَّ على فريسته.
جلس على كرسيه الجديد وقد أمسك بمقعده بكلِّ قواه كرجل هرب الزَّمن منه فتشبث بما بقي له من العمر محاولا ألَّا يهرب منه، وأقسم في داخله إنَّه لن يتخلى عنه مهما كانت الظُّروف.
اِنقضى بعض الوقت فإذا بسيدة في منتصف الخمسينيات تصعد إلى الحافلة والعرق يتصبب
منها كأنَّها جالسة في (ساونا )حارة تحاول تخفيف وزنها.
ناداه الصوت الداخلي ما بالك أيَّها الشَّاب الوقح كمْ أنت قليل أدب! اِنهض لهذه السَّيدة،.
ولكنِّي الآن جلست ولم أسترح إلَّا للحظات قصيرة.
أنت شاب وتستطيع تحمل التَّعب، وهل تفكر نفسك أنَّك ستحرر القدس أو ستفتح روما، كلّ ما تفعله أنَّك تعطي كرسيك لهؤلاء التُّعساء. اِنهض سريعاً ودع هذه المرأة تجلسْ مكانك.
ولكني اقسمت الَّا أترك مكاني لأيٍّ كان.
تصدق أو صم كفارة ليمينك، المهم أن تسعف النَّاس بلحظاتها الحرجة.
لا حول ولا قوة إلا بالله، تفضلي يا سيدتي اِجلسي فعلى ما يبدو أنَّك متعبة.
نعم أيَّها الشاب متعبة وقد وصلت بآخر نفس وشكراً لك.
وقف بجانبها وهو فخور بما فعله راضٍ عن نفسه.
وما زال في نجواه لنفسه حتى رنَّ هاتفها المحمول ردَّت السَّيدة وقد اِلتقطت أنفاسها بعد أن جلست على مقعد الشاب، وبدأت حديثاً مطولاً بصوت عالٍ، إلى أن وصلت إلى فقرة جعلت دماغ الشَّاب يخرج من رأسه ويضرب سقف الحافلة ملتصقاً بها رافضاً إلى يرجع لمكانه.
ماذا تقول هذه السَّيدة تمشي كلَّ يوم أكثر من ثلاث ساعات وتتدرب على رياضة الحواجز أيام العطل، وتفكر بالاشتراك بمسابقة الدَّولة!!!
وأنا المغفل الغر ذو القلب الرَّقيق والتفكير السَّطحي، أترك مكاني لكلِّ من هبَّ ودبَّ، هل أعض أصابعي!! أم أضرب هذا الرَّأس الفارغ الَّذي لا يفكر بمصلحة جسدي أبداً!! ألا لعنة الله على أفكاري وعلى هذا الصَّوت السَّافل الَّذي يخرج من داخلي لأجعلنَّه يختفي للأبد.
أصبح يوزع نظراته الغاضبة بين المرأة وطفلها والرَّجل الميت والمرأة المتصابيَّة، وهو في أشدِّ حالات النَّدم، ويملأ صدره بالهواء شهيقاً ثمَّ ينفثه زفيراً عسى أن يحرق الحافلة بمن فيها.
ولكن الحال لم يطل، فهناك مقعد فرغ حديثاً، ودون أن ينتظر أحداً ليأخذه قفز إلى كرسيه الجديد وجلس متربعاً عليه معيداً قسمه إنَّه لن يسمح لأيِّ مخلوق الاقتراب من غنيمته الجديدة حتَّى لو كلفه الأمر خروج روحه.
لحظات من الرِّضا الكامل مرَّت على صادقٍ، وقد شعر أنَّه انتقم من كلِّ هؤلاء الأوغاد الَّذين خدعوه وجعلوا منه أضحوكة.
الله أكبر لقد وقفت الحافلة وصعدت عجوز هاربة من القبر وتوقع في نفسه أن القبر قد يركب معهم في الحافلة فيضم جميع ركابه استرد هذه الفارٍّة من عدالته لينتقم منها ويرجعها إلى مكانها الأصلي.
ولكن لن أنتبه إليها ولن أعطيها مقعدي وإن اجتمعت عليَّ الإنس والجِّن، يكفيني ما وجدت من الثَّلاثة المحتالين، فقد تكون هذه السَّيدة لاعبة جمباز، أو قد تكون في الفريق الوطني لرياضة (الايروبيك) فما أدراني، هل أنا أعلم بما في قلوب الناس.
كلما نظر صادق إليها رآها تنظر إليه وكأن سهاماً من نار ترميه بها.
ما بال هذه الهاربة من القبر تركت الدُّنيا ولحقتني!! أين سأخفي وجهي عنها فأينما نظرت رأيتها.
ولكنَّه كمْ شعر بالسَّعادة لأنَّ الصَّوت الدَّاخلي لم يتجرأ أن يتكلَّم ولو بحرف واحد، ولم يطالبه أن يقوم من مقعده بعد ما كابده من تجاربه السَّابقة.
وأخيراً وبعد جزر ومدِّ من نظرات طويلة انفجرت الهاربة من القبر قائلةً:
شباب اليوم لا فائدة ترتجى منهم، فهم لا يفهمون من الاحترام حتَّى اسمه ولا يقدرون العجائز، آاااه يا وطني كمْ أنت مظلوم بهذا الجيل الأرعن الَّذي أخاف أن يسلمك للأعداء.
خفض صادق رأسه وكأنَّه لم يسمع شيئاً، وكأنَّه في عالم ثانٍ لا يدري ما يحصل بجانبه.
وعندما لم ترَ العجوز ردَّة فعل على كلامها أطلقت زمورها على الشَّاب الوقح الَّذي احتقرها مرتين، أوَّلهما أنَّه لمْ يقم لها من مكانه،وثانيهما أنَّه لم يلقِ بالاً لتلميحاتها وقالت: أيها الوقح الصَّغير أيَّها الشَّاب الخالي من كلِّ أنواع الأدب والاحترام ألا ترى كبر سني وحالتي الصِّحية المتدهورة!! أليس لك والدان تخاف أن يقهرهما الزَّمن!!! أف لك، من شاب عاقٍ ! لا تعرف أيَّ شيء عن التَّبجيل والتَّقدير، يا عيب الشؤم عليك وعلى أمثالك من شباب اليوم الأرعن الَّذي لا يرعى إلاً ولا ذمة.
تفاجأ صادق بكلام السَّيدة وأراد أن يقوم من مكانه إلَّا أن قدميه لم تطاوعاه وأقسمتا أن يخالفا عقله إلى أن أتاه صوت الرَّجل الميت قائلاً: اِستحي أيَّها الشَّاب واترك مكانك لهذه السَّيدة الوقورة ألا ترانا -نحن كبار السَّن- لا نستطيع التَّحمل ولم تعد لنا قدرة على مواجهة أعباء الحياة!!!!
اِلتفت إلى صوت آخرٍ يخرج من ناحية المتصابية وهي تقول: حقّاً إلي استحوا ماتوا، عيب عليك أيَّها التَّافه أن تترك هذه العجوز واقفة وأنت تنعم بالجلوس تفووووووو على كلِّ فاقد للشرف والتَّضحية.
ردَّ عليها صوت نسائي شاب: فعلاً يا سيدتي والله العظيم لولا أن الطفل بحضني ما جلست في معقد وتركت أياً من كبار السِّن وقوفاً، أليس في وجوهنا أعينٌ!!! ألن نكبر يوماً ما وتطلب أجسادنا المساعدة والعون من كلِّ من في قلبه ذرَّة شرف، ولكن ماذا سنقول يا سيدتي، حقّاً إن الخير اِنقطع من الدُّنيا وأصبحت غابة يأكل القوي فيها الضَّعيف.
وما إن توقفت الحافلة وفُتح بابها حتَّى رمى صادق نفسه خارجاَ من هذا الجحيم الَّذي ألقى نفسه فيه وتابع طريقه سيراً على الأقدام مقسماً إنَّه لن يركب حافلة النَّقل الدَّاخلي ثانية.


