سأقول لك خبراً رائعاً يا أحلى زوجة .
خير إن شاء الله ؛ أراك اليوم رجعت باكراً على غير عادتك يا فادي !
لم أذهب إلى العمل بالأصل . فقبل وصولي إلى مقر عملي أوقفتني مذيعة تلفاز وأجرت معي لقاءً مصوّراً . هل هي جميلة ؟ ولمَ أوقفتك من دون الخلائق ؟ تركت مئات الألوف من الرِّجال حتَّى تضع عينها عليك ! أعماها الله وردَّ كيدها إلى نحرها .
وحّدي ربك يا فوزية ؛ فأنا أين وهي أين ! ألا تشاهدين ثيابي الرَّثة ؟ ألا تعلمين أني فقير أسابق رغيف الخبز كلّ يوم لأحصل عليه بعد عناء وشقاء ؟! والمذيعة ليست غبيّة لتنظر إلى أمثالي .
يا لك من أحمق ! أنت لا تعرف النِّساء ومكرهنَّ ، اسألني ؛ فأنا أدرى بمكائدهنَّ .
يا قليلة العقل ، كان عليك أن تستفسري لماذا صوّرت معي اللقاء قبل أن يذهب فكرك بعيداً ؟
أجل ، سنرى مسألة المذيعة لاحقاً ، علامَ دار محور اللقاء ؟
صادفني كادر التَّصوير في الشَّارع ، ورأى حالتي المزرية ، فطلب منّي أن أوجّه شكواي إلى مجلس الشَّعب المجتمع اليوم والَّذي سيقرُّ قانوناً للفقراء والمحتاجين .
ومن قال لهم : إنك فقير ؟
أهذا يحتاج إلى ذكاء وفهلوة ! والله الثياب الَّتي على جسدي كرهت رائحتي ، فمنذ أعوام أرتديها ، حتَّى أصبحتُ أفكّر أحياناً أنَّ استبدالها يعتبر خيانة للصداقة والعشرة .
المهم هل صوّروك ؟
نعم .
وأين ذهبت المذيعة ؟
أتعتقدين أنها أخذت أذني بالذهاب ؟ ذهبت إلى حيث شاءت .
أتقسم لي إنها لم تخبرك عن عنوان بيتها ؟
لا حول ولا قوة إلا بالله .
مساءً في تمام السَّاعة الثامنة سيُبثُّ التَّقريرُ على القناة الثَّالثة .
حسنٌ ، سأنتظره لأرى نظرات المذيعة إليك ، وكيف كانت نظراتك إليها أيضا ، فأنا لا أثق بك وأخاف أن تلعب بذيلك .
ما هذا الهراء يا فوزية ؛ بعد هذا العمر تشكّين بي !
( قال يا مؤَمّنة بالرجال متل المؤمّن للماء بالغربال ) أنسيت أنَّ ابنة عمّتك كانت تحبّك قبل أن تخطبني بأربع سنوات ؟
يا امرأة ، هذا الكلام مضى عليه أكثر من ثلاثين سنة ، وما زلتِ تذكرينه !
أنا لا أنسى الأسى ، منذ أن تزوَّجتك وأنا حَذِرة منك ومن تصرفاتك كالمراهقين ؛ أنسيت زهراء ؟
ومن هذه الزَّهراء أيضاً ؟
يا لك من مُتغابٍ أحمق ، أتخال أنَّني سأمرر لك هذه القصَّة ! زهراء تلك الفتاة الَّتي اصطدمتَ بها منذ خمس عشرة سنة في الحديقة ، وبتسّمت لها بعد أن اعتذرت منك ، والله أعلم كم مرَّة رأيتها بأحلامك !
لا حول ولا قوة إلا بالله ؛ أين ذهب فكرك قال فادي وأردف : اليوم سترين مقابلة لم تشاهدي مثيلتها منذ اختراع التَّلفاز . وستشعرين كمْ أنا مهمٌّ ! وكيف كان حضوري وسردي لمطالب الفقراء ممتعاً ومحقّاً .
أعتقد أنّك قد تُعيّن في مجلس الشَّعب بعد هذا اللقاء ، آااااه لو كانت ملابسك جيدة لكانت الأمور في أوجها .
أتظنين أنَّ مسؤولي البلد سيتابعون اللقاء يا فوزية ؟
بالتَّأكيد ، هم يشاهدون كلّ ما يقدَّم على شاشات التَّلفاز .
قسماً بالله عندما يراها سيادة الرَّئيس على الأغلب سيطلب لقائي ، ولا أستبعد أن يُنصّبني مديراً للمعمل الحبوب الَّذي أعمل فيه حمّالاً .
اعتباراً من اليوم أو لنقل مساء اليوم ستصبح – يا فادي – أشهر من نار على علم ، وسيكون اسمك على كلِّ لسان .
أتعلمين – يا زوجتي العزيزة – قد يصبح لديَّ سائق خصوصي ! ولن نعيش في هذا المنزل الحقير ، سأشتري لك منزلاً يليق بمقامي ومقامك .
ألن تتزوَّج عليَّ زهراء ؟
كبّري عقلك يا امرأة ؛ فزوجك صار ممَّن يشار إليهم بالبنان ، قال زهراء قال ! إي والله أنا لا أقبل أقل من صاحبة أملاك وشركات قال في نفسه ، وأردف :حقاً النِّساء عقولهنَّ صغيرة ويحتجنَّ إلى ضبط مصنع من حين لآخر .
قرعت فوزية باب جارتها رجاء قائلة : اليوم أنت وجميع جيراني من نساء البناية مدعوّات إلى بيتي في السَّاعة الثامنة .
وما المناسبة ؟
الله يرزق أزواج كلِّ الجيران كما رزق زوجي وأعلى من شأنه ، صار من الرجال الموثوقين والمتنفّذين في البلد ، القناة الثّالثة ستبثّ معه لقاء يتحدَّث فيه نيابة عن الشَّعب والأمّة ، وربّما يصبح مستشاراً للسيِّد الرَّئيس .
أوووووف ما شاء الله ألهذه الدَّرجة ؟ بهذه السُّرعة وصل !
وأكثر ، لو أخبرك بالتَّفاصيل لما عرفتِنا ، تركتها قائلة : اليوم مساء لا تنسي .
ساعات وانتشر الخبر كالنَّار في الهشيم .
اجتمع مختار الحي مع وجوهه ، وقرّروا كتابة عريضة للسيِّد فادي المحترم كي يوصلها للجهات المسؤولة ، يطلبون فيها : تجديد سوق الحي ، ومضاعفة الحافلات العامة الواصلة إليه ، وزراعة الحديقة العامة المهملة ، وبناء مدرسة ثانوية ، هذا بالإضافة إلى زيادة الدَّعم لفقراء الحي ؛ فأغلبهم يعيشون تحت خط الفقر ، في الواقع إن السَّيد فادي يعرف أوضاعهم ، فقد كان قبل اليوم مشاركاً إيّاهم أدقّ تفاصيل حياتهم ، أمّا الآن فقد تغيَّر الوضع وصار السيِّد بيده الحلُّ والرَّبط .
مساء ضجّ بيت فادي بنساء الحي وهن ينتظرنَ اللقاء المتلفز الَّذي سيوصل صوتهنَّ إلى أعلى المستويات ، فيما اجتمع رجال الحي في المقهى الكبير ، وأجلسوا السيَّد فادي في المقدمة ليشرح لهم بعض الملاحظات على اللقاء المهمّ إذا غفلوا عنها .
لحظات وعلا التَّصفيق في المقهى ، وأُطلقت الزَّغاريد في بيت فادي عندما قدّمته المذيعة ، وما إن بدأ بالحديث حتَّى انقطع التَّيار الكهربائي في الحي وعمَّ الظَّلام .
يا لهذا الحظ العاثر قال المختار !
أعتقد أنَّ من أطفأ الكهرباء هو من سكّان الحارة الغربيّة ؛ قال آخر : هذا حسد وضيقة عين .
على كلِّ حال حتَّى وإن لعب المغرضون بالكهرباء فقد كسبنا الجولة ، وصار لنا صوت قوي داخل أروقة الحكومة قال صاحب القهوة .
انفضَّ الحاضرون على أمل أن يكون مجلس الشَّعب قد استمع إلى تعليمات السيِّد فادي وأخذ توصياته بعين الاعتبار لتنفيذها .
كم تفاجأ أهل الحي وكرهوا فادِياً وحقدوا عليه ، وحمَّلوه تبعة فقرهم وإهمال حيّهم عندما علموا أنَّ مجلس الشَّعب رفع الدَّعم عن الفقراء !

الأصل المجهول
الأصل-المجهول إنها كارثة أهل سوريا ومصيبتهم. عائلة أتت من المجهول لتجعل حياتهم جحيماً. لم تكتفِ عائلة الأسد بسرقة أموال البلاد

