جدال أحذية
مكتب للزواج
القرين

المحترم

المحترم

أراد بهاء الثري الانفراد بنفسه في رحلة إلى الغابة القريبة من بلده ، فقد كره الازدحام ورأى أنَّ ضغوط العمل زادت على رأسه فلم يعد يعرف نهاره من ليله ، فقرر الاستراحة بعيداً عن الالتزامات والمنغّصات ، ركب سيارته دون أن يخبر أحداً ، وأخذ ما يكفيه بضعة أيّام من ماء وطعام واتّجه إلى غايته .
خلال ساعة وصلها ودخل في طريق فرعي ، حاول الابتعاد عن المساكن (الإسمنتية) وعن ضوضاء السَّيارات ، فتوغّل في قلب الغابة ، وكلَّما ابتعد كان يشعر بارتياح ومتعة ، وصل إلى مكان منبسط ، أوقف سيارته ونزل منها ليستمتع بما يراه من مناظر خلابة تبهج العيون وتجعل السَّقيم معافى ، ما شاء الله طيور قد كساها الله أرياشاً بأجمل الألوان ! وأشجار حباها المبدع لوناً أخضرَ  وأحمر وبنيّاً في أروع زخرفة وتكوين قد يراه إنساناً ، وهذه المياه الَّتي تجري من تحتي وكأن الجنَّة بما فيها نزلت مرحبّة بقدومي ، كم أنا محظوظ بهذا القرار ! سأكرره كلّما سنحت لي الفرصة ، حقاً دفنت نفسي في الحياة من دون أن أشعر ، صباحاً أكون في المعمل ، ومساء أداوم في مكتبي ، لا أرى إلَّا التُّجار وطالبي المال ممَّن فتحوا أفواههم ليأكلوا الأخضر واليابس ، أمّا هنا في هذه الطَّبيعة فكلّ شيء مختلف ، الوحش لا يفترس إلَّا عندما يجوع أو يخاف ، أمّا النَّاس – والعياذ بالله – فلا تشبع بل تلتهم ما تراه في طريقها ، إن كان حلالاً أو حراماً ، سأمضي عدة أيام هنا ، وأنسى كلّ ما يتعلق بالعمل أو بحياتي الخاصَّة ، وبهذا أعطي زوجتي وأولادي ومن يعرفني وقتاً ليشتاقوا إليّ ، وليعرفوا قدري في غيابي وحضوري .
أمضى ليلته الأولى بسكينة وسعادة تامّة ، لايعكِّر مزاجه صوت ولا ضجيج .
نهض في الصَّباح نشيطاً ، فقد سمع أغرب الألحان وأعذب الربانيَّة ، الكناري يغرّد من ناحية فيجاوبه الشّحرور بألحان أجمل ، وكأنَّهما يتنافسان ؛ أيّهما سيهب الغابة وساكنيها ألحاناً أكثر وأمتع .
عندما غسل وجهه بالماء البارد المنحدر من الهضبة أصابته نشوة أقسم إنه لم يشعر بمثلها منذ ولادته .
انتهت أيامه الثّلاثة التي أزمع أن يقضيها في الغابة سريعاً ، فودَّع غابته على أمل عودة قريبة إليها .
ركب سيارته وأدار محركها فأبت ، قال في نفسه : ثلاثة أيام لم تتحرك مدة طويلة ؛ ربّما تحتاج إلى أكثر من محاولة ، تابع محاولاته دونما فائدة إلى أن فرغت بطارية السَّيارة وصارت كخردة لا أمل في سيرها .
فكر كيف له أن يخرج من هذا المأزق الَّذي حشر نفسه عنوة فيه ! وأنّب نفسه مستهجناً لماذا لم يخبر أحداً ؟ أو يصطحب معه آخرين ! رأى أن يتجول ويستكشف المدار القريب منه عسى أن يجد فرجاً ، مشى ومسح الأرض بعينه فإذا به يرى من بعيد رجلاً جالساً تحت شجرة ، أعاد هذا المنظر لنفسه الثِّقة بالنَّجاح من الخروج من هذه الأزمة .
وصل إلى الرَّجل وكان عجوزاً أبيض الشَّعر طويل اللحية ، حيّاه فطلب العجوز منه الجلوس .
قال : اسمي ، وقبل أن يكمل ردَّ العجوز : اسمك بهاء أعرفه وأعرف كلّ دقائق حياتك .
لم يقف بهاء عند هذه الجملة رغم أنَّه دهش بجواب العجوز ، ولكن أهمّيَّة الوصول إلى البر جعلته يتجاوز المفاجأة .
ماذا تفعل هنا يا سيِّدي؟
ولدت هنا وأنتظر الموت هنا أيضاً .
ألك أولادٌ وزوجة ؟
ولدت وحيداً وسأموت وحيداً .
ما هذه الأجوبة المبهمة قال بهاء في نفسه ! وتابع لكن ما علاقتي به ! المهم أن أجد طريقة للخروج .
هل تعرف مخرجاً لهذه الغابة يا سيِّدي؟ فسيارتي تعطلت وليس لي معين إلَّا الله ، وقد أرسلك – على ما أعتقد – إليَّ رحمة .
هزّ العجوز رأسه قائلاً : سأخرجك منها شرط أن تسألني عن ثلاثة أشخاص ما فعلوا بغيابك .
أوَتعلم المستقبل ؟
لا يعلم الغيب إلَّا الله يا ولدي ، ولكني سأريك الماضي القريب .
شعر بهاء بالفرح لأنه سيخرج من هذه الورطة ، ويعرف ماالذي جرى في غيبته .
أريد أن أرى مدير معملي ، ماذا فعل بغيابي ؟
تعال معي يا بهاء ، سحبه بيده ودخل إلى كهف مجاور .
انظر إلى الحائط ترَ ما طلبته .
حقاً هذا المدير ، ولكنه يجلس مع منافسي؟ أصاخ السَّمع فإذا به يقول للمنافس : منذ ثلاثة أيام الحاج بهاء لم يأتِ ، وهو مُختفٍ وغداً صباحاً سأجتمع معكم وأعطيكم تفاصيل خطّ الإنتاج الجديد ، ولكن أرجو منك ألَّا تنسى عمولتي .
أرجوك ياسيِّدي ، أوقفها لا أريد سماع المزيد .
مَن تريد أن يكون في المشهد التَّالي ؟
فكر بهاء ثمَّ قال مسرعاً : زوجتي أريد أن أرى ما فعلته .
نظر بهاء إلى الحائط فرأى زوجته تتحدَّث مع جارتها قائلةً : غداً صباحاً إن لم يظهر المختفي – لا ردَّه الله – فسنلتقي بالنَّادي ، وستكون أيامنا القادمة كلّها لهواً وانطلاقاً وحرّيّة ، فعلى ما يبدو أن غياب الّذي لا يسمى سيطول .
أوف أوف أوف ، ألهذه الدَّرجة تكرهني زوجتي ! والله ما كنت أعلم . سأريكِ عندما أعود للبيت .
جلس بهاء وقد ملأ الحزن قلبه ، لا يريد أن يرى أيّ مشهد آخر .
سأله العجوز : مَنِ التَّالي؟
أرجوك يا سيِّدي ، لا أريد أن أُصدم بشخص آخر .
لا مفرَّ من ذلك ؛ بقي لك خيار ؛ وإلَّا فلن تخرج من هذه الغابة إلَّا من بطون الوحوش .
ياللهول ما هذا الكلام ! أريد أن أرى ابني ؛ أعتقد أنَّه أكثر من يشعر بفراقي ويبحث عني ، وأخشى أن يُصاب بأزمة نفسيّة جرّاء غيابي ، فهو متعلّق بي بشدَّة .
وكما فعل سابقاً نظر إلى الحائط ، فسمع ابنه يكلم صديقه قائلاً : أبي منذ ثلاثة أيام غائب ، وقد تعبت من البحث عنه .
اِستبشر بهاء خيراً ، فهذا ظنُّه به ، وفرح فرحاً غامراً بعد أن ُصدم بالموقفين الماضيين .
ولكنه عندما سمع تتمة الكلام تفاجأ وكأنَّه في حلم ؛ فقد تابع الابن : مفتاح السَّيارة منذ أن غاب وأنا أبحث عنه ، وإن عثرت عليه أصطحبك في الصباح إلى النَّهر لنصطاد السَّمك .
استيقظ بهاء ضحًى ، فأمسك هاتفه الخليوي وقرأ أوَّل رسالة كانت من مدير معمله ، يخبره أنَّه سيتأخر عن المجيء بسبب لقاء مع العملاء . والرِّسالة الأخرى كانت من زوجته تخبره أنها ذهبت مع جارتها إلى النَّادي ، ولم تشأ أن توقظه ، والرِّسالة الأخيرة من ابنه يخبره أنَّه استعار سيارته ليذهب إلى النَّهر ليصطاد السَّمك .
أغلق هاتفه وتابع نومه لعله يجد مخرجاً من هذه الأزمة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

ذات صلة

الأصل المجهول

الأصل-المجهول إنها كارثة أهل سوريا ومصيبتهم. عائلة أتت من المجهول لتجعل حياتهم جحيماً. لم تكتفِ عائلة الأسد بسرقة أموال البلاد

تابع القراءة »