جدال أحذية
مكتب للزواج
القرين

عراف العصابة الحاكمة

{قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ۚ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ}

عرَّاف العصابة الحاكمة…..

عمران ذلك الرَّجل الفاشل في حياته الهارب من قريته وزوجته وأولاده، اِستقر في هذه المدينة الكبيرة، حاول بدايةً العمل في تنظيف الحدائق ولكنه وجده عملاً صعباً ومملاً، فكر ثمَّ فكر ثمَّ أعمل ملكاته الشَّيطانيَّة، فوصل إلى قرارٍ أن العمل بالشَّعوذة وقراءة المستقبل خير وسيلة للربح، وقد أدرك أن أكثر النَّاس تحمل فوق أجسادها صناديق فارغة من السَّهل خداعها واللعب في عقولها، واِفراغ ما في جيوبهم لقاء بيعهم بعض الأكاذيب والأوهام.
سكن عمران بيتاً صغيراً في حيًّ شعبيًّ وبدأ بممارسة عمله في الدَّجل، وتكاثر أتباعه ومريدوه حتّـى ذاع صيته في أنحاء المدينة ولهج الناس عامة وخاصَّة بذكره.
قُرع باب بيته في صباح يوم ماطر ولم يكن عنده أحد من الزُّوار أو المريدين، وعندما فتحه وجد رجلين يقفان كجبل حجب ما وراءه من أفق، وما أخاف عمران أن وجهيهما كانا باردين كصقيع القطب الشَّمالي.
حاول استعمال قوته الدَّاخلية الَّتي تنجح مع أكثر من يصادفهم، فأطال النَّظر إلي وجهيهما بعد أن رسم على قسماته الجدّية الصَّارمة، ولكن الوضع لم يتبدَّل، فغير الخطة ورسم على وجهه ابتسامة عريضة قائلاً: اهلاً بالشَّابين هل من خدمة أؤديها لكما؟
هل أنت السَّيد عمران.
عندما سمع كلمة سيِّد شعر بشيء من الرَّاحة فعلى ما يبدو أنهما جاءا بغرض قراءة المستقبل، فأجاب مسرعاً:أنا هو، تفضلا ما طلبكما.
قال أحدهما بصوت خشنٍ كأنَّه منشار يحاول قطع شجرة قاسية: تفضل معنا المعلِّم يريد أن يراك.
فليأتِ معلمكم إلى بيتي البسيط، حقَّاً إن بيتي لا يناسب مقام كثير من البشر، ولكن البركة والخير فيه، قال بصوت الواثق المعتق بالتَّجربة والخبرة.
أجابه صوت المنشار: وقد بدا الاستغراب على محياه: ألا تعرف من المعلِّم؟
مع الأسف أنا رجل بسيط لا أعرف من هذه المدينة إلَّا بيتي وقليل من مُحَبيَّ.
حسنٌ يا أستاذ قال الضَّخم الآخر الآن تتعرَّف على المعلِّم ومن تعرَّف عليه كان ذا حظ عظيم، واحمد ربك أنَّه طلبك لتجتمع به.
اُنظراني دقائق معدودة لأرتدي ثيابي.
لبس ملابسه مسرعاً وعقله يعمل في مختلف الاتجاهات، يسأله عن المعلم وعمَ يريد! وما غايته من دعوته ! وهل يعرف بأمر كذبه وخداعه!
وصلوا إلى بناء من طابقين يقف عند أسواره الخارجية بضعة حراس، دخلوا المبنى وصعدوا إلى الطَّابق الثاني، أدخلاه إلى غرفة الاِنتظار ثمَّ أتى شاب أنيق طلب منه بأدب أن يتبعه، ثمَّ فتح باباً وأدخله إلى غرفة كبيرة يجلس خلف مكتب فخم رجل بعقده الخامس أشار إليه أن اقترب.
مد عمران يده مصافحاً الرَّجل وقد تملَّكه الخوف، سلاح وحرس ومكتب رسمي. إذاً أنا في مكان تابع للدولة وقد يتمّ اعتقالي، فأنا محتال وأجني مالاً بطريقة غير شرعية، الله يستر ممَّا سألاقيه من هذا الاجتماع قال في نفسه.
تفضل اجلس خاطبه المضيف وتابع: أنا العميد فائز مسؤول المخابرات العامة.
عندما عرف بحضرة من هو، رجفت ركبتاه حتَّى سمع صوت اصطكاكهما من في خارج الغرفة، وشعر أنَّه سيبول على نفسه، وأن ملك الموت ينتظره على الباب، وأحس بالغرفة تدور حوله كأنَّه يجلس في دولاب الهواء وأنَّه سيفقد الوعي بعد لحظات.
انتبه العميد إلى لخوف الّذي أخذ لُب َّالرَّجل فحاول التَّخفيف عنه قائلاً: كيف حالك يا سيِّد عمران، قد دعوتك اليوم لما سمعت عن مواهبك بالتَّنجيم، وصراحةً أنِّي معجب بقدراتك على استمالة النَّاس لك وحبهم وتصديقهم.
تمالك عمران نفسه وتماسك بعد أن أحس أن العميد لن يعتقله أو يسأله عن عمله غير المشروع قائلاً: قد كسبت شرفاً كبيراً برؤيتكم بعد أن كان لي الشَّرف السَّماع بكم وبأعمالكم الَّتي يفتخر بها كلُّ من يعيش على أرض الوطن.
آااااه الوطن هذه الكلمة تكسر ظهري وتجعلني لا أنام الليل لأنَّني أسهر على أمن حدوده، ولهذا دعوتك اليوم، فأنت والمخلصون أمثالكم والمحبون تراب بلدهم هم خط الدِّفاع الأوَّل بوجه أعداء الدَّاخل قبل أعداء الخارج.
أنا تحت أمر سيادتكم فأنا وروحي فداء للوطن أقدمها له على طبق من ذهب، ليأخذها متى شاء.
ليس لي أدنى شك بوطنيتك وحبِّك لأرضك وسيِّدك وسيِّدنا الرَّئيس المفدى، وقد تابعنا عملك لفترة طويلة ورأيناك نِعمَ العبد والمواطن لذلك قررنا أن تعمل معنا في جهاز المخابرات.
أتريدوننا أن أحرس مكان إقامتكم ؟أم أرافق أولاد حضرتكم إلى مدارسهم لأحميهم من أولاد الحرام الحاقدين على لوطن؟
لا هذا ولا ذاك، قد عيناك خطيبًا وإمامًا في جامع حيِّكم.
ولكني كما يعلم سيادتكم لا أفرق بين عدد ركعات الصُّبح والمغرب، كما أني لا أعرف شيئاً عن فرائض الإسلام ولا حتَّى الاختلاف بين الطَّهارة والنَّجاسة.
لا عليك هذه أمور بسيطة سندِّرسك إياها تباعاً ما عليك إلَّا أن تعفي لحيتك وتضع العمامة وتمسك المسبحة وكلّ ما سوى ذلك سهل.
وماذا تطلبون مني أن أفعل؟
بعد أن تتدرب على الخطابة سنعطيك التَّعليمات بحينها، فأنت عرَّاف ماهر ونريد منك أن تنقل للعامة ما نشاء أن نخبرهم إياه.
أنا تحت أمركم وأمر الوطن وسيِّد الوطن.
هذا ما توسمناه فيك، وسيكون العنصر فريد صلة الوصل معك، وفي حال حدوث أيّ طارئ، فمكتبي مفتوح لك في كلّ وقت.
خرج شيخ الوُعَّاظ الجديد عمران غير مصدق نفسه، فقد خطا خطوات واسعة بعد هذا اللقاء وسيكون المستقبل مفروشاً أمامه بالورود والرَّياحين .
كما أمره سيادة العميد تعلَّمَ مبادئ الإسلام والخطابة وصار إمام جامع الحيّ وأطبقت شهرته الآفاق فقد كان يُخبر بأمور غيبية وتحدث بعد فترة قصيرة كما نجَّم بها. حتَّى ضاقت رحاب المسجد بالحاضرين، وخاصَّة في صلاة الجمعة.
اليوم جاءه أمر من العميد أن يُنجم للنَّاس أن مياه السَّد ستغرق أراضيهم الزِّراعية، وهذا ما حصل بعد أسبوع، فقد فتحوا مياه السَّد بحجة أن عطلاً حدث فيه، وبهذا أراد العميد أن يصدِّق النَّاس كلّ ما يقوله هذا الدَّجال، فقد كان بين الفينة والأخرى يرسل إليه أنباءً سارَّة عن سيادة الرئيس وحكمته، وما يفعله ويقدِّمه للبلد من أمور عظام، ويقوم شيخ الوُعَّاظ بنشرها بين النَّاس على أنَّها علم بالغيب، لترفع أسهم الرَّئيس ونظامه الفاشل وبذلك يضمن ولاء من صدَّق هذا الدَّجال.
اليوم هناك لقاء متلفز يتكلَّم فيه عمران عن توقعاته للعام الجديد، وكيف أن سيادة الرَّئيس سيكون شخصيَّة العام، وأن الدُّنيا بما فيها ستتكلَّم عنه وعن فضائله، وعندما سألته المذيعة عمَّا يتوقعه لنفسه ردَّ بكلِّ جرأة وحماس: إنَّه يرى العام القادم مليئاً بالأحداث الطَّيبة المبشرة، وإنَّه سيلتقي بالسَّيد الرَّئيس في الشَّهر الخامس كما يقرأ المستقبل. ولم يكد ينهي كلامه حتَّى سقط رأسه على الطَّاولة فأعلنت المذيعة بعد لحظات عن وفاة العرَّاف العارف بالغيب السَّيد عمران.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

ذات صلة

الأصل المجهول

الأصل-المجهول إنها كارثة أهل سوريا ومصيبتهم. عائلة أتت من المجهول لتجعل حياتهم جحيماً. لم تكتفِ عائلة الأسد بسرقة أموال البلاد

تابع القراءة »