رويبضة في زمن الثورة…….
مطيع رجل بسيط يعمل نجاراً يقضي عمره في دكانه وبيته ، أما مساء فقلما يختلط بالنَّاس زيارة أو صداقة،فهو لايملك تجربة واسعة في هذه الحياة، فيومه مقتصر على عمله صباحاً، ومساء دائم الجلوس في بيته.
اليوم جاءت إليهم جارتهم أمُّ حامد تزفُّ إليهم خبراً لطالما انتظروه، فقد وجدت خطيباً لابنته البِكر الَّتي تخطاها سِنَ الزَّواج، وأصبحت سائرة إلى مرحلة العنوسة الكئيبة اليائسة.
دعا أخويه ولكن لم يلبي إلَّا أحدهما، فكر الرَّجل قليلاً ولم يجد إلَّا جاره المثقَّف مدرِّس اللَّغة العربية لحضور هذه الفعاليَّة المهمة ليبيِّض وجهه ويوكِّله بالتَّحدث عنه، فقد خمَّن أنَّه سيكون متكلماً جيداً لهذه المناسبة، بعد ما انتهى من عمله وقبل أن يدخل بيته، قرع الباب على جاره الأستاذ راجياً منه الحضور غداً مساء.
لم يخيب الأستاذ رجاءه فقد وجد أنَّ عمله هذا سيكون لخدمة الخير ورجا من الله أن يكتب له صدقة في صحيفة أعماله.
في مساء اليوم التَّالي، كان الأستاذ واقفاً على باب جاره في السَّاعة الثَّامنة تماماً كما هو متفق عليه، فتح جاره الباب وأدخله إلى غرفة الاستقبال، فسلَّم على الحاضرين القلائل وجلسوا جميعاً ينتظرون فارس الأحلام.
رن هاتف الرَّجل وكان زوج عمة الخطيب هو المتكلم، اعتذر عن التأخير وطلب منهم الانتظار لنصف ساعة أخرى، أضاعوا الوقت في أحاديث جانبية إلَّا أن الجرس عاود الرنين وطلب المتكلم من جديد ربع ساعة أخرى، قال النَّجار على ما يبدو أن الرَّجل مشغول فهو يعمل بالثورة أعانهم الله كمْ من أحمال تثقل على كواهلهم!
انقضت ربع ساعة ولم يأت، انتظر المجتمعون وقتاً إضافياً، فجأة سمع من في الداخل ضرباً ورفساً على الباب وكأن بركاناً خامداً انفجر فجأة، أو كأن السماء أحبت أن تزور الأرض فسقطت عليها، هرع الأب مسرعاً ليفتح الباب ويرى ما المصيبة الَّتي جعل بيته يهتز من ارتجاج الباب، فإذا بخطيب الغفلة وزوج عمته قد وصلا.
دعاهما للدخول بعد أن تعوَّذَ بالله من شرِّ ما هو قادم.
كان الخاطب شاباً نحيفاً قصيراً قاتم اللون تبدو على ملامحه الشَّقاء والغباء لم يعرف المجتمعون هل تخطى سن البلوغ أم ما زال قابعاً فيه ، أما زوج عمته فكان له قصَّة أخرى، فقد دخل الرَّجل حاملاً على جانبي خصره مسدسين أسودين لابساً بنطالاً أبيضاً ضيقاً، خمَّن أستاذنا أنَّ كلَّ من في حيِّه ساعده على اِرتدائه، كان كرشه الكبير يسوقه حتَّى بدا كعربة تجر وراءها حماراً.
وما إن دخل الرجل -وقبل أن يُلقي السَّلام -صرخ بأعلى صوته مستنكراً آمراً: ما هذا دخان!!! سجاير والعياذ بالله أطفئوها فوراً، ، ألا تخافون ربَّكم أيَّها القوم!! ألا تعتقدون أنَّكم سترجعون يوماً إليه وتوفى كلُّ نفس ما عملت!!كيف لكم أن تدخنوا السَّجائر ونحن نعيش على أرض حررها المجاهدون بقوة الله ثمَّ بدمائهم!! يا عيب الشؤم على رجال ضيعوا دينهم بدنياهم، لو كنت أعلم أنِّي سآتي إلى بيت تضيع فيه حقوق الله ما جئت.
لم يعرف صاحب البيت بما يجيب بينما الحاضرون أخذتهم الدَّهشة فأطفؤوا سجايرهم وكذلك فعل أستاذنا المحترم لئلا يوتر الجو. فالظَّاهر أن الأمر من بدايته يسير إلى الهاوية.
جلس الرَّجل المنفاخ بعد أن أفرغ مواعظه على الحضور وأخذ بقلوبهم وأمسك الحديث من كلِّ أطرافه وأصبح يخلط شعبان برمضان بالقرآن بالشِّعر بالنَّثر.
وهنا ضاق الأستاذ به ذرعاً، فقاطعه سائلاً بحذر فللمسدسين رهبة: وما عمل الأخ الكريم حتَّى إننا لم نتعرف على اسمك.
الاسم غير ضروري فأنا لي اسم حركي، وأعمل مع الثَّورة كداعية لدين الله.
وما الشَّهادات العالية الَّتي تحملها سأله أستاذنا.
لا أحمل أيَّاً من الشَّهادات، لقد تركت المدرسة المشؤومة الَّتي كانت تمجد القائد الأوحد من الصَّف الرَّابع.
وهل تركتها لأنَّك في ذلك السِّن علمت أنَّ التَّعليم مرتبط بنظام حكم إرهابي طائفي عفن.
لا لا ، في ذلك العمر لم أعلم أيَّ شيء عن السِْياسية والسِّياسيين وحتَّى أبواي لم يكونا عالمين بشيء عما يدور في كواليس البلد، إنما تركتها واتِّجهت إلى سوق العمل والأعمال، لآخذ خبرة كافية ووافية من هذه الدُّنيا.
وفي أيِّ اختصاص عمل حضرتكم؟؟
أنا كنت أعمل بالحدادة، وعندما انطلقت الثَّورة أيَّدتها وشاركت بأكثر من عشر مظاهرات، وعندما دخل النِّظام إلى قريتي هُجِّرت إلى مناطقكم، وتابعت عملي الشَّاق بالثَّورة وتوظَّفت بمكتب الدُّعاة وكما تراني أصبحت من كبار دعاة البلد.
أتحفظ كثيراً من كتاب الله وأحاديث رسوله؟؟
أحفظ السُّور القصيرة الَّتي هي في نهاية جزء عمَّ، وقليلاً من أحاديث الرِّسول العظيم، ولكنِّي محدِّث جيِّد وخبير رائع في الحياة، وأُجابه مَْن يحملون أكبر الشَّهادات العلمية في الحكمة والموعظة، وأستطيع أن ألجم أكبر الشَّخصيات العلمية، ووضع يديه على مسدسيه عسى أن يقتنع أستاذنا الَّذي قال له: ولكنِّي أراك يا سيِّدي تخلط عباس بدباس، فأنت لا تفرق آية عن حديث عن أقوال العلماء، والأنكى من ذلك أنَّك تخلطها بالأمثال الشَّائعة.
اغتاظ الرجل فعاد الرَّجل يتلمَّس ما يحمل من سلاح عسى أن يسكت هذا المتطفل المتدخل بشيء لا يعنيه، ولكنَّه شعر أنَّ السَّلاح لم يقنعه فقال: يا أخي نحن أهل الثَّورة يحق لنا ما لا يحق لغيرنا، فنحن من حررنا البلاد بدمائنا ونحن من نحمي العباد بجهودنا، الله يرضى عليك كفاك أسئلة وكفاني أجوبة، ولندخل بما جئنا من أجله.
هذه الكلمات أجبرت الأستاذ على السُّكوت على الرَّغم من اكتشافه جهل هذا المدعي ورعونته وفراغه من كلِّ علمٍ أو معلومة.
وهنا نظر صاحب السِّلاح وما زال واضعاً يديه عليه إلى أبي الفتاة قائلاً: لقد أتيت أنا وهذا الشَّاب الجميل الرائع طالبين القرب منك، وعلى فكرة هذا الشاب ثوري، صحيح أنَّه لم يشارك بأيّة معركة أو مظاهرة ولم يعترض على النِّظام طيلة حياته وكان يعمل في فرع أمن الدَّولة قبل أن ينشق، ولكن دمه ثوري ولذلك توسطت له عند جماعتي، وعيِّنته في الحقل الأمني التَّابع للثورة، وكم كنت شاكراً أصدقائي الثَّوار لأنهم وافقوا على توظِّيفه بناء على توصيتي، طبعاً نحن -الثَّائرين الصَّادقين -علينا أن نكون غطاء لبعضنا البعض، وعلينا أن ننظر إلى مصالح بعضنا بعين العطف والتضامن، هذا كلّ ما لدينا، فما لديكم . ونظر إلى والد الفتاة الَّذي أشار للأستاذ أن يتكلًّم.
قال أستاذنا بعد أن استشعر موافقة الأب: نحن لا نعترض على عمل الشَّاب أو من أيَّة منطقة هو، فكلنا أولاد آدم ونحن مسلمون ولا ننظر إلى ترف أو أموال وعقارات إنما نريد السِّتر لفتاتنا.
هزَّ الدَّاعية العظيم برأسه غير عابئ بما يقوله الأستاذ، فما شأن هذا الحاشر أنفه فيما لا يعنيه، فهو ليس من أهل الفتاة أو من أقاربها.
تابع الأستاذ قوله المنطقي: إنَّهم يريدون أن يزوِّجوا فتاتهم على سنة الله ورسوله بمهر مقبول، وأثاث ضروري ومفروشات للبيت، كما يقدم لمثيلاتها من أهل البلد.
وهنا رفع الدَّاعية عقيرته وقال: أتتكلم عن مفروشات البيت ونحن في حالة حرب مع النظام! وسنهرب كلنا بعد أيام باتِّجاه تركيا ونترك ما نملك، أما طلبك للذهب فهو وسخ الدُّنيا ولا يعطي سعادة ولاهم يحزنون، اتق الله يارجل، ومن أراد أن يزوِّج ابنته فعليه ألَّا ينظر لمال أو جاه، وأما الملابس فمن المعروف أنَّ الفتاة بعد الزَّواج ستكتسب وزناً إضافياً وسنخسر ما دفعناه ثمن هذا اللِّباس الذي لن ينفعكم يوم الدَّيان، فما بالك يا أستاذ هل تريد أن تأكل الدَّنيا وما فيها، كن قنوعاً يا رجل فقد زوَّج الرَّسول أحد الصحابة بفاتحة الكتاب.
بعد أن خرج أستاذنا من ثيابه، وعرف أن الخطيب وزوج عمته من الرُّويبضة الَّذي أخبر عنهم رسولنا الكريم، وأنَّه كالحمار الَّذي يحمل أسفاراً، ولولا أن الإفساد والفساد دخل إلى مفاصل الثَّورة ونخر عظامها،ما كان لهذا الرَّجل أن يجلس حارساً على باب إحدى الحدائق العامة فردَّ عليه قائلاً: أولاً أيُّها الثَّائر المقدام وسأسميك ذا الفردين، كيف لك أن تهرب وتترك البلد الَّتي تتبجح أنَّك تقوم على حمايتها؟؟؟ وكيف لك أن تخالف سنة رسولنا بالمهر والذَّهب، وهل ملابسك الضَّيقة من سنة نبينا! وقبل أن يكمل الأستاذ كلامه شعر الخاطب بشيء من الضِّيق فأخرج سيجارة من جيبه وأشعلها.
نظر إليه الأستاذ متابعاً كلامه: وقد أعطيتنا درساً في حرمة السِّيجارة وأنَّها من المهلكات وصاحبك بجيبه علبة ويدخن منها بكلِّ وقاحة، يا لك من منافق أرعن اِبتلت الثَّورة بك وبأمثالك وجعلتم منا أضحوكة البشر والحجر، وإن كنت من سينصر الثورة فسأتبرأ منها، على الرَّغم من أنِّي وأولادي قارعنا النِّظام بكلِّ ما نستطيع، وبكلِّ ما وصل لأيدينا، تباً لك ولأمثالك من الثُّوار التَّافهين الَّذين ركبوا على ثورتنا وعلى رقابنا وإذا كنت تظنّ أنَّك ستخيفني بسلاحك فأنت واهم، وإن لامسته مرَّة أخرى فسأضعه بمكان لن يرضيك وترك الجلسة وغادرهم تاركاً الدَّاعية يمسح العرق الَّذي يرشح من جبينه .



2 Responses
وما اكثر الرويبضة في وقتنا الحالي
صحيح حياكم الله