ماخفي أعظم……
{ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} (غافر19)
يحكي أن رجلاً اسمه فراس صادق جنِّي وأصبحت بينهما علاقة طيبة، وفي يوم مرض الجنِّي فاهتمَّ الرَّجل به، حتَّى إنَّه صعد إلى قمة الجبل وجلب له عشبة كانت سبباً بشفائه، فأراد أن يردَّ له صنيعه الطَّيب.
قال له الجُني: اطلب يا صديقي العزيز ما شئت، فسأنفذه لك، فأنا لن أنسى صنيعك.
لا أريد أيَّ شيء فأنا ساعدتك لأنَّك صديقي.
لا لا، لن أتركك حتَّى أردَّ لك الجميل.
فكر الرَّجل طويلاً ثمَّ قال له: أنا لا أريد مالاً فعندي كثير منه، ولكنِّي أريد أن أعرف بمَ يظن النَّاس بي، أريد أن أدخل إلى قلوبهم وعقولهم لأرى ماذا يتكلمون في أنفسهم.
هذا أمر سهل عليَّ ولكنَّ عقابيله وخيمة ويسبب لك آلاماً .
لا لا تهتم بهذا الأمر، فأنا أريد أن أعرف وأكتشف كلَّ من يضمر لي الشَّرّ.
كما تريد اقترب مني يا صديقي، وما إن جلس بجانبه حتَّى وضع الجنيُّ يده على رأسه وتمتم ببعض التَّعويذات، ثمَّ قال له: تستطيع الآن أن تنظر في عيَنيْ أيّ إنسان لتعلم ماذا يضمر لك، وتستطيع أن تجرِّب معي إن شئت.
أستطيع ذلك أم أنَّك تمزح معي؟؟؟
انظر إلى عينيَّ وجرِّب.
رفع رأسه ونظر بعيني الجنِّي وقرأ فيهما أنَّه يقول في نفسه كم أنت طيب يا صديقي!!
شكره الرَّجل وأسرع خارجاً من عنده، وفي الطَّريق كان يفكر إلى أين يريد أن يذهب ومع من يريد أن يجرِّب هذه المنحة الرَّائعة الَّتي أعطاه إيّاها صديقه.
دخل البيت ودون أن يحدِّق بعيني زوجته فهو واثق بها إلى درجة أنَّه يعرف ما في قلبها قبل هذا الوقت، وبادرها بالقول: أريد أن نذهب إلى بيت أخيك عامر لنسهر ونتعشى عنده.
ولكنَّا لم نخبره ولمْ نأخذ منه موعداً.
وهل بين الأهل مواعيد؟؟ اِلبسي بسرعة قبل أن يتأخر اللَّيل.
وصلا بيت الأخ وقرعت الباب، فتحه عامر وقد كان في غاية الدَّهشة، فالوقت قد تأخر وليس من عادتهما القدوم بهذا الوقت.
وقف للحظات لا يعلم ماذا يقول.
وأخيراً تدارك نفسه وطلب منهم الدُّخول، وسبقهم إلى غرفة الصَّالون ليحمل أطفاله النِّيام إلى غرفة نومه، فبيته صغير يتألف من غرفتين، جلسوا جميعهم ساكتين وكأنَّ الطَّير على رؤوسهم، نظر إلى عيني زوجة الأخ النَّائمتين، فتفاجأ بما تقوله هذه المرأة.
ماذا، أنا غليظ وقليل ذوق وزوجتي ثقيلة دم!!!
ما كنت أظنُّ بهذه المرأة أن تكون نظرتها إلينا بهذا الشَّكل المريع، أطال الجلوس وسرق نظرة إلى وجه المرأة مرّة ثانية، فقرأ مافي نفسها قائلة: ماهذه اللَّيلة البشعة الزَّنخة، كمْ أتمنَّى أن يركض الوقت لينصرفا عن وجهي!! هزَّ رأسه قائلاً في نفسه: شكراً لك أيُّها الجنِّي الوفي فقد جعلتني أفرِّق بين صديقي وعدوي.
سأل عامر أخته هل تناولتم طعام العشاء.
لا ولكنَّنا لانريد الإثقال عليكم.
كيف لك أن تتكلَّمي هكذا يا أختي فأنتما مرحب بكم في أيِّ وقتٍ، والتفت إلى زوجته طالباً منها تحضير طعام العشاء.
قامت المرأة متثاقلة ولكن فراس لم يتجرأ أن يتطلع بعينها، فقد خاف من أن يعرف ماقالته في نفسها عنه.
وضع الطَّعام ولكن فراساً كان جائعاً ولكنَّه تذكر أنَّ عليه أن ينظر إلى عيني عامر، اِختلس النَّظر فرأى شيئاً جعل اللُّقمة تقف في بلعومه فسعل بشدَّة خوفاً من الاختناق، أسرعت زوجته وناولته كأس ماء، شربه وتوقف عن الأكل فما رآه بوجه عامرٍ جعله يشبع.
أنا ياعامر فظ!! وآكل كوحش لم يرَ الطَّعام منذ أعوامٍ!! ولا أفهم بالتَّقاليد ولا أعرف ما العيب!!! أنا تزوَّجت أختك رغماً عنك فأنت لم تكن راغباً بهذا الزَّواج لولا والداك!!!
وفي انشغاله بينه وبين نفسه طلب منه عامر أن يتابع الطَّعام، لكنَّه حمد ربَّه وطلب من زوجته أن تنهي طعامها فهو يريد الانصراف.
وعندما همَّ بالانصراف سأله الأخ مستفسراً عن سبب إسراعه بالمغادرة.
فردَّ عليه أنَّه من العار والمعيب أن يكون بنظرهم هذا الرَّجل السِّيئ اللئيم، وتركهم غاضباً وانصرف.
في طريق عودتهم سألته زوجته لمَ تغيَّر مزاجه؟ ولِمَ تكلَّم بهذا الشَّكل الفظ مع أخيها على الرَّغم من أنَّه أكرمهم واستقبلهم بلطف لم يسئ إليه. فأجابها أنَّه يعرف بمكنون الأنفس ويرى مالا تراه.
استيقظ صباحاً وخرج مسرعاً إلى دكانه الكائن في وسط السُّوق، فهناك جاره أبو ثائر ويريد أن يعرف ما يضمره له، فهذا الرَّجل يتودَّد إليه بشكل دائم.
جلس في دكانه ينتظر أن يفتح السُّوق، فإذا بجاره قادم وقد رآه من بعيد، نَاداه ليشربا القهوة معاً.
بعد أن فتح أبو ثائر دكانه أتى إلى فراس ضاحكاً بوجه بشوش، وما إن جلسا حتَّى نظر إلى عينيه مسرعاً فكلُّه شغف أن يعرف قيمته عند جاره. نظر إليه لكنَّه لمْ يفهم مايدور بخلده، وعندما تكلَّما عن أحوال التِّجارة عاود النَّظر.
أوف أوف أوف كلّ هذا الغل والحقد في وجه أبي ثائرٍ!! هل أنا تاجر فاشل ولكن حظي يفلق الصَّخر!!! هل أنا آكل مال حرام وأغشُّ ببضاعتي!!! هل هذا الجار يريد أن يقصف الله عمري ليرتاح مني!!! ما كنت أظنُّ ولو للحظات أنَّ جاري يضمر كلّ هذا الشَّر لي.
شربا القهوة وعندما سأله جاره عن سبب تغيَّر مزاجه، أجابه إنَّه يشعر ببعض الألم في بطنه.
ثمَّ عاود فراس النَّظر فكانت الإجابة: إن شاء الله يكون آخر فنجان قهوة تتسمَّمه.
صرخ فراس بوجه جاره قائلاً: ما أوقحك أيَّها الكاذب المراوغ هل تريدني أن أموت ليفرغ لك الجو؟؟ وهل تظُّن أنَّ الله سيرزقك إلَّا حسب نيتك السَّيئة؟؟ وأُطمئنك أنَّك لن تكون تاجراً ذا شأن يوماً من الأيام.
ألجمت الدَّهشة أبا ثائر، وبعد أن اجتمع بقيَّة التُّجار أخبرهم فراس بما جرى معه وبما يستطيع أن يفعله، فمنهم من صدّق ومنهم كذَّبَ.
اضطرب يوم فراس وعلا الهم وجهه حتَّى كاد قلبه يقف، أنهى يومه المكفهر بغيوم الهم والحزن، ورجع إلى بيته وكأن السِّنين تراكمت بسرعة على كاهلة لتجعل منه رجلاً طاعناً في السِّن يحمل عبء عمر مئات السنين.
سألته زوجته ما باله؟
قصَّ عليها ما جرى معه اليوم في السُّوق.
البارحة لم أصدقه ولكن اليوم بدأت أصدّق قصَّته، وهذا الأمر خطرِ وقد نصل إلى الطَّلاق إذا ما نظر في عينيَّ مطوَّلاً، وعرف ما في قرارة نفسي قالت بصوت منخفض.
ما بالك يا امرأة مع من تتكلَّمين؟؟
لا شيء أستغفر ربِّي، ألا تريد أن تأكل؟؟
لا لم تعد لي رغبة لأيِّ طعام أو شراب.
تعالي اجلسي بجانبي لنتحدَّث قليلاً.
اِنتظرني لحظات وسآتي، وانطلقت من توها إلى قاطع الكهرباء فأنزلته، فانقطع الضَّوء عن البيت وغرق في ظلام دامس.
ماذا حصل يا امرأة؟
لقد قُطعت الكهرباء.
يا لهذا الحظر العاثر! هل سأقضي بقيَّة حياتي بهذا الغم.
صباحاً حاولت الزَّوجة ألَّا تتلاقى نظراتهما ببعضها البعض، فكانت تهرب بنظرها كلَّما شاهدته يطيل النَّظر إليها.
خرج فراس من بيته متَّجهاً إلى دكانه، وفي طريقه مرَّ بالشَّاب سراج صاحب الدُّكان الصَّغير الَّذي يستدين منه البضائع.
مرحباً أيها الشَّاب.
أهلاً بعمي الحاج فراس كيف حالك؟
الحمد لله، كنت مارّاً أمام دكانك فأردت أن أسألك إذا كنت تريد أن تعطيني دفعة على الحساب.
الله لا يشبعك من النُّقود، وإن شاء الله لا تهنأ بها، كم أنت جشع أيُّها العفن!! هل تريد أن تخلد في هذه الدُّنيا.
أنا عفن أيُّها الشَّاب الوقح، فلتنهمر عليك لعنات الله ، حقاً لم أرَ في حياتي مثل وقاحتك.
ولكن يا عمي لمْ أفتح فمي بأيِّة كلمة.
إن شاء الله ستخرس بقيِّة حياتك ولن تستطيع أنت تتكلَّم مادمت حياً.
تجمع النَّاس على صراخهما وعرفوا السَّبب وانتشرت قصِّة فراس في كلِّ المدينة، وقد صدَّق أهل المدينة أن لفراس هذا النَّوع من الحدس.
كثير من النَّاس عزفوا عن الكلام أو النَّظر إلى وجه فراس، حتَّى إن من أراد أن يكلِّمه كان يضع عصابة على عينيه لئلَّا يكتشف أمره.
وهذا ما أزعج فراساً أشدَّ الإزعاج، اليوم عاد إلى بيته فرأى زوجته وقد وضعت العصابة على وجهها، ولما سألها عن السَّبب قالت إن في عينيها مرضاً فهي لا تستطيع أن ترى في الضَّوء.
خرج فراس راكضاً إلى جنِّيه مترجياً أن يرجعه كما كان يظنُّ بالنَّاس الحسنى.

الأصل المجهول
الأصل-المجهول إنها كارثة أهل سوريا ومصيبتهم. عائلة أتت من المجهول لتجعل حياتهم جحيماً. لم تكتفِ عائلة الأسد بسرقة أموال البلاد

