لا تنسونا…….
رفع سماعة الهاتف واِتَّصل بابنه الكبير المهاجر منذ أعوام طويلة، اِنتظر لحظات بينما ردَ الطَّرف الآخر، ولكن الصَّوت لم يكن لابنه فقد كان صوتاً نسائياً قائلاً: أهلاً سيدي ابنكم في اجتماع مع كادره الإداري عندما يفرغ سيادته سيكلمكم.
من أنت يا ابنتي؟ أنا عاملة السكرتاريا الجديدة في مكتب ابنكم المحترم، شكرها وأغلق السَّماعة متحسراً على أيام خلت عندما كان ولده صغيراً وكان يحمله بين يديه كلعبة غالية، يُركبه على ظهره ثمَّ يقذفه إلى الأعلى ويتلقاه بيديه الحنونتين وكأنَّه تحفة غالية يخاف عليها الكسر، لقد حاول غير مرَّة أن يتصل به ولكن الولد الَّذي كبر وطار كعصفور فارق عشه، كان مشغولاَ ، كثيراً ما أقنع نفسه أن ابنه ذو مكانة اجتماعية مرموقة وأنَّ عمله يتطلب منه التَّفرغ الكامل وأنَّه لا وقت لديه حتَّى لأجل أن يتكلَّم معه ولو لدقائق، ولكن لا يعلم لمَ هذه المرَّة وجد في الأمر صعوبة، هل لأنَّه اشتاق لسماع صوت صغيره الكبير، أم لأن الفراغ قتله أم لأن الذِّكريات القديمة طغت على حياته فجعلته يرى ماضيه مع أسرته في كلِّ مكانٍ ومنظر يشاهده وفي كلِّ حركة يفعلها وسكنة.
حرم الموت الحاج من زوجته بالموت منذ أربع سنوات كما أنَّه فقد ولديه وابنته باغترابهما منذ أكثر من خمس عشرة سنة، هو الآن يشعر بالوحدة القاتلة التَّي لم تترك له فرصة يتحرر منها إلَّا الأكل والحركة دونما هدف.
أغلق سماعة الهاتف وطلب رقم ابنه الثَّاني الَّذي لمْ يكلِّمه منذ أكثر من شهر، ردَّ عليه قائلاً: أهلاً بابا لحظات وأكون معك وسأعاود الاتِّصال بك ثانية.
أغلق الخط مجدداً وهو على ثقة تامة أنَّ اللَّحظات الَّتي قال عنها صغيره الآخر لن تأتي وأنَّ عقارب الساعة لن تتحرك ليصل إليها.
تذكر الحاج أيضاً عندما مرض صغيره هذا كيف أنًّه لمْ ينم لعدة أيام متتابعة وظل متأرقاً على باب غرفته في المشفى العام بالمدينة، وتذكر كمْ كان يحبُّه ويداعبه!! وكيف كان صغيره لا ينام إلَّا بحضنه!! وكيف كان يلهو ويلعب ويتراكض مع أولاده!!! تذكر أشياء كثيرة حلوة أخرجته من عزلته المقيتة، ورمت به في قاع سحيق من الماضي، في وقتها لم يشعر أنَّ الزمن سيفرُّ، ولم يحسب أن الطُّيور ستهاجر، وأن الوحدة ستقتله وتجعل منه شجرة يبست أغصانها بعد أن جفت مياه نهرها.
تنهد بحرقة واتَّصل بالرَّقم الأخير الَّذي كان بجعبته، إنَّها ابنته الحبيبة الَّتي كانت الأثيرة لديه، فقد كانت كلمتها ترجح على كلِّ الحاضرين ، فهي جميلة أبيها وهي من يحبَّها لا يؤخر عنها حاجة مهما غلت، طلب رقمها بيده المرتعشة فقد خشي أن يموت آخر أمل لديه وتصبح التَّعاسة عنوان بيته، كانت الاستجابة سريعة من الطَّرف الآخر.
جدو أمي تقول لك أنَّها ستعاود الاتِّصال بك عندما تذهب صديقاتها فهي مشغولة معهنَّ.
تساقطت دمعات مختلطة بذكريات وألم وتحسر وخيبات، لقد أحس الحاج أن هذا الاتَّصال قطع آخر خيط له بالدُّنيا وأن الموت والحياة تساويا، ولم يعد هناك فرق بينهما، وأنَّ الحياة أصبحت فائضة بالرَّزايا وقد حملَّت كاهله أطناناً من حديد الأسى والجمود ، في هذه اللَّحظة تذكر زوجته الحاجة، كمْ كانت يشعر برغبة عارمة لو أنَّها ما تزال على قيد الحياة!! وكمْ تمنَّى لو أنَّها لم تمت وما زالت تتنفس معه من هواء غرفته الَّتي أصبحت قبراً بعد أن غادرتها!! وهامت أشباح الموت بين أرجائها، وأحاطت كلّ هموم الدُّنيا وأسقامها بين جدرانها.
استلقى على الأريكة وصورة زوجته لم تغادر ناظريه رافعاً رأسه للسماء مُسلِّماً الرُّوح لخالقها بكلِّ رضى وقناعة أن الدُّنيا لم تعد بحاجته كما أنَّه لم يعد بحاجة إليها.
بعد ساعات قُرع جرس الهاتف لمرات عديدة وعاود السُّكوت كصاحبه.


