جدال أحذية
مكتب للزواج
القرين

فتاة الأحلام

فتاة الأحلام………

 
 
بعد أن ماتت اِمرأته أصبح وحيداً يعد اللَّيالي والأيام، ينتظر أن يُقرع بابه، ويَهرع إليه كلّما سمع خطوات بالقرب منه، ثمَّ يرجع خائباً فقد نسيه جميع من في المدينة.
غزوان رجل تجاوز السِّتين من العمر، أتى قبل ثلاثين عاماً إلى هذه المدينة ولم يُخلِّف ذرية وبعد وفاة زوجته بات دون قريب أو وليف.
نصحه بعض الأصدقاء أن يتزوَّج ويقهر الوحدة والفراغ، في البداية رفض وكابر على نفسه، ولكن الفراغ أصبح وحشاً يخاف أن يقتلع روحه من جسده، وصارت كلُّ أيامه بلا معنى ولا هدف، وأخيراً شعر أن لا حلَّ له إلَّا بالزَّواج، ولكن من أين يبدأ ومع من يبحث لم يقرر إلى أن شاهده جاره سمعان، وعندما كلَّمه بموضوع الزَّواج تعاطف معه فوراً ووعده أن يطلب من زوجته أن تبحث له عن اِمرأة أو أرملة أو فتاة فوق الأربعين من العمر لتناسب عمره ووضعه. بعد عدة أيام جاءه سمعان ونقل إليه الخبر المفرح الَّذي سيعيد الشَّباب إلى حياته، ويخرجه ممَّا هو فيه من الهم والحَزن.
وقال له: زوجتي وجدت لك ابنة حلال عمرها بحدود الأربعين عاماً كما طلبت وما زالت بكراً وهي مثل فلقة القمر، ولا تريد إلَّا السِّتر، وأهلها غير طماعين، وقد فاتحتهم زوجتي بموضوعك ولم تجد إلَّا القبول منهم، فأخوها عرفك وقد أثنى على أخلاقك وحسن سيرتك، بمعنى أن الطَّريق مفتوح أمامك وأمورك على خير ما يرام، جهز نفسك لمساء الغد فقد حددت زوجتي موعداً مع أهل الفتاة.
شعر غزوان أنَّ الفرج قد هلَّ وأيام الوحدة والعزلة قد ولت إلى غير رجعة وأن الحياة فتحت ذراعيها وعادت لتبتسم له.
نام ليلته وهو يحلم بفتاته الجديدة الَّتي ستُدخل إلى بيته الفرح والسَّعادة وتزيل منه الحزن والكرب والوحدة.
في صباح اليوم الموعود حاول غزوان إشغال نفسه وقتل الوقت الَّذي بدا كحمل أرخى ثقله على دابة هزيلة فمنعها من المسير، فطفق ينظف الطَّاولة حيناً ويمسح الخزانة ويكنس الأرض أحياناً، كلّ هذا والوقت يأبى التَّحرك وكأنَّ ثواني الوقت مقيدة إلى ألف حبل وحبل، مضى الوقت ماشياً على اِستحياء، وكأنَّه يلعب مع غزوان لعبة سمجة أظهر فيها كلّ غلاظة ومكر.
وأخيراً أزفت السَّاعة لبس ثيابه وتأنق وحلق لحيته أكثر من مرَّة ولمْ ينسَ أن يصبغ شعره، فاليوم يومه وعليه أن يكون أكثر شباباً ولمعاناً.
في السَّاعة الرَّابعة قُرع بابه وكان الطَّارق جاره.
 هيا بنا قبل أن نتأخر عن الجماعة فمن المعيب أن نبدأ أوَّلى لحظات الخطبة بهذا الخطأ قال له.
ردَّ عليه: أجل أجل، من المعيب أن نتأخر وأنا جاهز.
اِنطلقا إلى بيت المعشوقة الَّتي لمْ يرها ولكنَّه أحس أنَّه يعرفها منذ سنوات طويلة، فقد وصفها جاره وصفاً طيباً ورائعاً، حتَّى تخيلها نجمة لامعة هبطت إلى الأرض أو حورية علقت بشباك صياد. بعد أن وصلا إلى بيت المحبوبة أدخلهما أبوها إلى غرفة الضُّيوف وقد اِستقبلهما اِستقبال الفاتحين، فابنته قد كبرت بالسِّن ويحاول تزوِّيجها قبل أن توافيه المنية. جلسا وتجاذبا أطراف الحديث مع المضيف الَّذي قال لهما: إن ابنته تمتلك من الفهم والجمال والقوام ما يكفي لأن تجعل زوجها بغاية السَّعادة والهناء وهي ذات حسب ونسب وذكاء حاد، وأطال الرَّجل الشَّرح حتَّى كاد غزوان يذوب اِشتياقاً لهذا الحلم الَّذي -إن شاء الله-سيكون من نصيبه، ولن يخرج من هذه الغرفة حتَّى يحقِّق ما يصبو إليه، وكمْ تمنَّى أن يحمل هذه الخطيبة الرَّائعة إلى بيت الزَّوجية اليوم قبل الغد! وما إن انتهى العد التًّنازلي للكلام عن الفتاة وتعداد مناقبها،  حتَّى دخلت ست البدور حاملة صينية القهوة، تمشي بغنج تحاول أن تبدو وكأنَّ الصِّبا لم يفارقها.
اِنصدم غزوان عندما وقع نظره عليها، فما كان يحلم به من جمال وأناقة وأنوثة هرب من مخيلته.
فلا رشاقة وطول فارع ولا حلاوة على مُحيِّاها . جلست على الأريكة بجانب أبيها فبدت كصخرة عملاقة ستسقط من أعلى الجبل لتحطم كل ما يعترض طريقها وتحدث دوياً قد يسمع صداه في أرجاء المعمورة.
يا الله ما هذا البلاء هل هذه القنبلة الموقوتة هي من حلمت بها!! وإذا ما تزوَّجتها وسكنت معي في بيتي الصَّغير فهل سيحتمل المتاع هذا الوزن الكبير!! وهل الهواء يكفيني وإياها!!! هذا غير مصروف الطَّعام الَّذي أظنُّ انها تحتاج إلى متجر أغذية ليلبي حاجاتها اليوميَّة، ولكنه سمع صوتاً آخر أقوى في داخله يجاوب الأول: إلى متى ستعيش وحيداً وقد قتلتك الوحدة وربما تُؤنسك هذه الفتاة وتدخل على حياتك المسرة والهناء، توكَّل على الله واطلب يدها وليكن مايكون. حاول أن يتكلَّم ولكن الحوار الدَّاخلي منعه واِستمر الجدال: يا غزوان لا تتسرع فالعمر ليس بلعبة والحياة قصيرة وفتاة كهذه يمكن لها أن تدمر ما بقي لك من سنوات لتعيشها، ردَّ عليه الصَّوت المدافع: صحيح أنَّها لا تمتلك الجمال والقوام ولكن على ما يبدو هي من عائلة كريمة والكمال لن يأتيك كما تشتهي، توكَّل على الله يا غزوان واترك حياة العزوبيَّة، فغسل الأطباق واِعداد الطعام وتنظيف البيت ليس بالأمر السَّهل، فحَمِّلْ الفتاة كلَّ هذه الهموم وانجُ بنفسك من هذه المطبات والمآزق.
حسن يا عمي يسرني بل ويسعدني طلب يد كريمتكم الغالية ذات السُّمعة الحسنة والمنبت الطَّيب، وأنا تحت أمركم فيما تطلبونه من مهر وتوابعه.
والله نحن لا نطلب كثيراً من الأموال فعشرة آلاف دولار مقدمها ومثلها مؤخرها، وعليك أن تكتب نصف بيتك باسم هذه الفاتنة قال الأب.
اِحمر وجه الفتاة حتَّى بدا وكأنَّ ناراً خرجت من فرن ستحرق من في الغرفة، وتحركت شفتاها الكبيرتان الملونتان بالأحمر القاني فأصبحتا كرمانتين حمراوين غطتا ملامح الفتاة، فلم تُعرف هل هي من الإنس أم من الجان. اِبتلع غزوان ريقه فما رآه كان مخيفاً إلى حد الإرعاب، ولكنَّه ساير الصَّوت الَّذي يخرج من أعماقه ويأمره بالاِستمرار، وفي غفلة عن الحاضرين حكَّت الفتاة جفنها فعلقت بيدها الأهداب المركبة فأصبحت كالعين المقلوعة، طرف بأهداب وآخر بدونها.
ياللهول! ماهذا المنظر الَّذي يجعل كلُّ ذات حمل تضع حملها! ولكنَّه غضَّ الطَّرف على أمل أن يتحسن الوضع، قال غزوان شارحاً وضعه: والله يا عمّ حالتي صعبة وحرجة فأنا أعيش وأنام وآكل وحيداً، وقد أعيتني هذه الظروف وأخاف الموت على فراشي دون أن يشعر بي أحد، وأما بالنسبة للمهر فأرجو أن تخفضه فأنا أراه أكثر من طاقتي على الرغم من أنِّي أقدِّر أنَّ كريمتكم تستحق أموال الدُّنيا.
وما إن سمعت جميلة الجميلات ما قاله حتَّى أطلقت ضحكة جعلت الحزام الَّذي تُخفي فيه كرشها المنتفخ يتمزق، ويظهر كبطيخة كبيرة ناءت الأرض بحملها.
اِرتفعت عينا غزوان إلى قمة رأسه وصرخ على الهاتف الدَّاخلي المدافع الذي يأمره بالزَّواج أن ِاخرس، ثمَّ نظر إلى جاره مشيراً إليه أن الوقت نفد وأنَّه عليهما المغادرة فوراً، وقبل أن يتحرك خرجت القنبلة الموقوتة محاولةً إخفاء ما ظهر من (مكياجها )وما خبأته من عيوبها وفي غمرة اِرتباكها سقطت على الأرض، فأحدثت دويَّاً هائلاً  اِرتجت أرض الغرفة من وطأة السُّقوط، وبان الكعب العالي الَّتي كانت تلبسه سليلة الجمال والأحساب والأنساب، وعندما وقفت على رجليها حافية بدا طولها وكأنَّها ولدت منذ أيام وجسمها ككرة منفوخة جاهزة ليلعب بها أولاد الحيّ.
لم ينتظر غزوان أن يأخذ إذناً بالاِنصراف فأطلق ساقيه للريح خارجاً من بيت الأحلام بعد أن شاهد الأشباح تضحك وتتراقص فيه، وعاد إلى بيته راضياً بوحدته وسريره المنفرد الموحش، حامداً ربّه على نعمة البيت الخالي من العفاريت وتوابعها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

ذات صلة

الأصل المجهول

الأصل-المجهول إنها كارثة أهل سوريا ومصيبتهم. عائلة أتت من المجهول لتجعل حياتهم جحيماً. لم تكتفِ عائلة الأسد بسرقة أموال البلاد

تابع القراءة »