جدال أحذية
مكتب للزواج
القرين

النَّدم

 
 
ما هذا الحر!!! وما هذا الطَّقس المزعج والتَّعرق الَّذي يجعل رائحة الإنسان نتنة!!!
شاب جلس في بيته يكلَّم نفسه وهو في أشد حالات الضيق والغضب.
وتابع: يا أخي، فصل الصَّيف جاف وشاق ويجعل التَّنفس صعباً والحركة في الخارج مستحيلة، كلَّما حاولت فتح الباب وهمُّمت بالخروج شعرت كأن فيح جهنَّم ألقى حممه على وجهي، فأرجع خائباً مختبأً في منزلي، خَشِيتُ من تفحم جسدي وتغيُّر لون وجهي، فصل الصُّيف طويل ومزعج، وفيه كثير من المعاناة والمشقة، حتَّى إنَّ الحشرات الَّتي تعيش فيه غريبة عجيبة، تحرم كلّ من دبَّ على الأرض من النَّوم.
عندما أُغلق النَّافذه تكاد روحي تفر من جسدي، أفتحها بعد طيلة إلحاح من أعضائي، فإذا بجيش مسلح بكلِّ أدوات الإزعاج يدخل منها ليعلن أن لا وقت للنوم وأن اللَّيل للسهر فحسب، وجزاء كلِّ من يخالف التَّعليمات قرص مبرح.
كمْ أودُّ أن يرحل هذا الفصل الغليظ الَّذي أتمنَّى ألَّا أراه بحياتي مجدداً، وأن يتركني بحالي أتمتع بحياتي كيف ما أشاء.
هيه هيه، أيُّها الشَّاب.
مَنْ المتكلَّم.؟؟ أنا فصل الصَّيف والكرم أيَّها الجاحد.
أنت فصل الحر والغيظ الشَّديد.
لا، يا قليل الخبرة، فأنا فصل الخير والرَّفاهيه.
لم أرَ فيك إلَّا الحر والتَّعرق، وشمسك الحارقة الَّتي تنتظر فرصة لتقتلع الأرواح من أجسادها.
أيَّها النَّاكر للجميل هل تأكل العنب والتِّين والبطيخ والمشمش وكثيراً من الخضروات والفواكه إلَّا في فصلي؟ وهل تسهر في الحقول والسَّاحات إلَّا على ضوء قمري؟ وهل تخرج أيَّها الشَّاب الأحمق خفيف الثياب منتعشاً إلَّا في حري؟ وفي جوي الرائع؟ يالك من ناكرٍ للجميل جاحد للمعروف.
الله يرضى عنك أيُّها الفصل الكئيب اِرحل عني فأنا لا أريد أن آكل شيئاً من أنواع فواكهك ولا حتَّى أريد أن أراك أو أسمع باسمك.
خذ رفاهيتك الكاذبة وفواكهك المزعجة، وابتعد عني إلى أرض لا أراك فيها أبداً، يا أخي قد كرهتك وكرهت اسمك ومنظرك، أبعد هذه الشَّمس الحارقة عن وجهي، ودعني أعِش حياتي بكلِّ أمانٍ واِطمئنان، لا أريد أن أحدِّثك أو أسامرك سأمحو ذكرك من( رزنامة )الأشهر، وسأبدِّل اسمك إلى اسم أشهر الحزن والتَّعب.
والآن اُغرب عن وجهي فقد مللت حتَّى الحديث معك.
ولكن لا تنسَ أيُّها الشَّاب الأرعن إن أنا خاصمتك فإن خصامي صعب، ولن أرجع إليك بسهولة.
أخرج أيها المتطفل من حياتي لا ردَّك الله.  
 رحل الصَّيف مكسور الخاطر مطروداً وأقسم ألَّا يرجع إلى بيت هذا الوقح.
أتى الشِّتاء بكلِّ قوة ونشاط، وعنفوان الفتوة بين طياته.
آاااه ما أحلاك يا فصلي الطَّيب الرَّائع أين كنت طيلة هذا الأشهر الصَّعبة الخانقة، ألَّا تعلم كمْ أحبُّك وأقدرك؟ ألَّا تعلم كمْ أشتاق إليك وأنتظر مجيئك؟ لمَ هذا الجفاء يافصلي الجميل الأنيق؟ في المرَّة القادمة عندما تريد الرَّحيل خذ بيدي واصطحبني معك أيِّنما ذهبت، فلن أستطيع العيش بعيداً عنك.
كما تريد أيها الشَّاب الطيب ولكنِّي في هذا العام أجد في نفسي طاقة زائدة فاعذرني إن أريتك بعضاً من قوتي.
لا عليك أيُّها الفصل الحبيب فلتفعل ما تشاء فأنا لك محبُّ مطواع.
شكراً لك أيُّها الرَّفيق المخلص فهذا ظنِّي بك.
صباحاً وبعد أن أبعد السِّتارة عن النَّافذة نظر إلى السَّماء فرأى شيئاً عجباً، فالغيوم كأنَّها جبال من الفحم الأسود تناطح بعضها بعضاً، وقد ظنَّ للحظات أن السماء وقعت واتَّصلت بالأرض، فلم يعد هناك أي فضاء فاصلٍ بينهما.
الأمر غير مهم فأنا أجلس في بيتي مرتاحاً لا أخاف المطر و العواصف.
بعيد لحظات وهو يتأمل الموقف فإذا بالسَّماء تنشقُّ عن ضوء أغشى ناظريه وكاد يذهب لبه، فما كان منه إلَّا أن رمى نفسه في سريره مخبئاً رأسه خشية الإصابة.
ما هذا الرُّعب لم نتَّفق هكذا يا شتاء!!! وما زال يحدِّث نفسه حتَّى سمع صوت زخات المطر فأدخلت السُّرور إلى قلبه، فهذا أكثر ما يحبُّه في فصله.
ولكن الأمر لمّا ينته، ساعات وساعات من المطر، حتَّى خاف أن يسقط السَّقف الخشبي عليه، وبدأ يسمع خرير الماء يرتفع صوته رويداً رويداً ، ركض إلى حيث الصَّوت، فتح باب غرفة الطَّعام فوجدها غارقةً بمياه المطر، وكلُّ ما فيها من أشياء قد تبعثر وابتلَّ بمياه فصله الحبيب.
قال متأفِّفاً:  لم نتَّفق على هذا الوضع  ولكن إلى الآن الأمر مقدور عليه.
أخرج أشياءه وأمتعته ونقلها إلى الغرفة الكبيرة حيث يجلس، فامتلأت وغاصت كسوق شعبي تنتشر فيه الأشياء بغير نظام أو حساب.
جلس يراقب المطر الَّذي أبى أن يفارق بيته،  وكمْ تمنَّى من صديقه أن يرأف بحالته ويبعد أمطاره عن بيته ولو قليلاً! حاول أن يناديه لكن صوته ضاع بين صوت الرَّعد والمطر.
قضى ليلته داخلاً وخارجاً من وإلى غرفة الطَّعام، محاولاً أن يجفِّف ما لحق بها من أذى، كم شعر بالرَّاحة عندما توقف المطر وأصبح الماء يرشح بعد أن كان يجري!
هيه يافصلي على ما أعتقد أنَّك تسمعني الآن.
طبعاً أسمعك تفضل أيها الشَّاب الطَّيب.
 لو أنَّك خفَّفت مطرك وغضبك البارحة عن بيتي، فقد رشح الماء إلى داخل بيتي وكدنا نغرق، وقسماً بالله لم أنمّ طلية اللَّيل.
ولمَّ لمْ تنادني وتخبرني؟؟
صرخت عليك ولكنَّك لم تسمعني.
أرجوك أن تعذرني، حقاً ما سمعت صوتك.
قد خمَّنت ذلك فصوت المطر كان أعلى من صوتي.
لا عليك في المرَّة القادمة سأحاول أن أتجنَّب بيتك.
شكراً لك يا فصلي الحبيب على تفهُّمك لي، والآن دعني أواصل حصر خسائري.
كم أنا سعيد بهذا الفصل المعطاء الرائع!!! ولكن الظَّاهر أنَّ التَّدفئة في البيت ضعيفة، فلم أعهده بارداً بهذا الشَّكل، أووووف ماهذا !!!!!! التَّدفئة مطفأة، ومن الواضح أنَّها معطلة، لا حول ولا قوة إلَّا بالله، الوقت أصبح متأخراً وكلُّ محلات التَّصليح مغلقة، عليَّ أن أصبر إلى صباح الغد.
 فليس في الأمر حيلة، ولكنِّي أشعر بالبرد الشَّديد  يافصلي الرَّائع أرجوك أن تساعدني.
بماذا تريدني أن أُساعدك أيها الطَّيب.
أرجوك أدفئْ الجو قليلاً لأتمكن تدبَّر أمري، فالبيت أصبح لا يطاق من شدَّة برودته.
اُطلب أمراً أستطيع أن أنفذه، فأنا أقدر أن أزيد في البرودة ولكن لا أستطيع رفع الحرارة، فهذه مهِّمًّة فصل الصَّيف، هل تريد أن أستدعيه لك؟
لا لا، (كش برا وبعيد) لست بناقص قرفاً، الأمر غير ضروري سأتدبَّر أمري لهذه اللَّيلة.
حسنٌ كما تريد.
هأنا ذا لبست كلّ ما أملك من الملابس ولم يُدفئ لي طرفاً، سآوي إلى الفراش عسى أن يعطيني قليلاً من الدُّف.
نام الشَّاب منكمشاً على نفسه وقتاً ليس بالطَّويل وقام مرعوباً، ماهذا الصَّوت تكاد الدُّنيا بكلِّ ما فيها أن تنفجر؟
 ركض إلى النَّافذة محاولاً إغلاقها، فالعاصفة على أُشدِّها، والهواء يضربها كحطاب يضرب شجرة بفأسه فيدميها.
أوووف ماهذا لقد كُسرت النَّافذة!! ماهذا الحظ العاثر!! لن أصرخ فمن غير المعقول أن يسمعني فصلي الجميل بهذه العاصفة الهوجاء.
رجع إلى سريره محاولاً النَّوم دون فائدة، ساعات وانتهت العاصفة، قام الشَّاب ليحصي الخسائر، ولكنَّه شعر بألم شديد في بطنه.
أوووف شيء لايكاد يُحتمل ماهذا الألم! لن أستطيع الصَّبر، سأخرج لأبحث عن أيّ طبيب، الحمد لله بأنِّي لابس كلَّ ملابسي.
حاول فتح الباب ولكنَّه لم يُفتح إلَّا بصعوبة بالغة، ماذا جرى لهذا الباب الأحمق!! وبعد محاولات عدَّة فُتح.
آااااه العذر ليس من الباب بل من الثَّلج المتراكم أمامه.
لاغضاضة بالأمر فأنا أحبُّ بياضه فهو يذكرني
 بحقل القطن الَّذي تتراقص زهوره مع كلّ نسمة تلامس خدوده.
ولكن السَّير صعب والطُّرقات المقطوع،، ولولا أنِّي مضطر  للذهاب إلى الطَّبيب لما خرجت من بيتي.
مشى الشَّاب خطوات قليلة يتلوى من ألم بطنه، ولمْ يشعر بنفسه إلَّا وبعض الشُّبان يحملونه.
قد انزلقت قدمه من أثر الجليد وارتطم رأسه بحافة الإفريز وغاب عن الوعي لوقت قصير.
طلب منهم أن يساعدوه ليرجع إلى بيته، وما إن دخل حتَّى صرخ بأعلى صوته: أين أنت أيَّها الفصل الغادر الحقير، أين أنت أيُّها الصَّديق الخائن.
خير أيَّها الشَّاب لمَ أنت متضايق؟
أوَ تسألني؟؟؟ ألمْ ترَ مافعلته بي؟؟
ماذا فعلت بك؟؟ أرسلت لك الخير والمطر والثَّلج.
لا أريد خيرك ومطرك وصقيعك وبردك وأمراضك، ولا أريد حتَّى رؤية وجهك القبيح القاتم الغاضب.
أريد أن أرى النُّور والإشراق كفاني عتمة وسوادا، أريد أن أرى السَّماء ضاحكة توزع ابتساماتها على كلِّ الخلائق، أريد أن أرى قرص القمر المشِّع بالحبِّ والصفاء.
اِرحل عني أيَّها الفصل الغليظ وخذ كلّ مايخصك وكلَّ أشيائك، ودعني أعش بسلام مع فصلي الحبيب فصل الهناء والسَّعادة.
ماذا هل ناديتني أيَّها الشَّاب العاق؟
أجل أجل، تعالَ ياصيفي فقد اِشتقت إليك واِفتقدتك أيَّما فقده، سامحني يافصلي الحبيب، قد ظلمتك وظلمت نفسي  وأقسم لك إن أنت رجعت، لأمسكن بك وأحتضننك ولن أفلتك مرَّة أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

ذات صلة

الأصل المجهول

الأصل-المجهول إنها كارثة أهل سوريا ومصيبتهم. عائلة أتت من المجهول لتجعل حياتهم جحيماً. لم تكتفِ عائلة الأسد بسرقة أموال البلاد

تابع القراءة »