جدال أحذية
مكتب للزواج
القرين

الزمن الضائع

 
 الزَّمن الضائع……..

 
جلست والرُّعب بعينيها تراقب بيتها المهجور، تحاول أن تُعيد لذكرياتها تلك المشاهد الرَّائعة الَّتي تمرُّ دائماً بمخيلتها، وقد كانت تظنُّها أوقاتاً عصيبة عندما كانت تعيشها لا تعرف كيف ستنتهي، فهذا ابنها الأكبر يصرخ على إخوته الصِّغار ويلاحقهم ليخيفهم، فيدخلهم في نوبة من البكاء، وهذا رضيعها يعلو صوته فكأنَّما الجلبة قنابل صوتيَّة لانهاية لصداها، وهذه ابنتها رجعت من المدرسة ورمت حقيبتها المدرسية وثيابها على أرض الغرفة حتَّى حسبتها مكباً للقمامة، وفي زحمة هذه الأشياء العنيفة يُقرع الباب وتطلب جارتها بعضاً من أرغفة الخبز. ثمَّ يرن الهاتف فإذا المتكلِّمة أمها، تطلب منها أن تنجدها وتأتي إليها لترى ماذا ستفعل مع أبيها الخرف، فهو لا يسمع لها كلاماً ولا يلبي لها حاجة.
يُفتح الباب ليدخل الزَّوج المتعب وقبل أن يسلَم يسألها: الطَّعام جاهز أم أنَّه في كلِّّ مرَّة عليه أن يصطبر ويصطبر!!! ازدحام في كلِّ شيءٍ، أصوات تكاد لا تنقطع، طلبات لا تنتهي وعمل شاق من الصَّباح حتَّى المساء، وكأنَّ النَّهار يأبى أن ينزاح تاركاً لليله لو فرصة صغيرة بالحضور.
يتكرَّر المشهد في كلِّ يوم، سنوات ويرحل كلُّ شيء حتَّى إنَّ اللَّيل يرفض أن يتزحزح عن بيتها إلَّا ببطء شديد وتثاقل أشد، كبر الأولاد وتركوا عشهم الجميل الَّذي جمعهم وأحاطهم بالأمان والمحبة، مات أبواها وزوجها، وأصبح البيت يبكي كصاحبته، ويطلب من كلِّ من عرفهم، ومن كلِّ من زاره وضحك بين أرجائه أو حتَّى ولو بكى فيه لافرق، المهم أن يأتي ولو لساعات أو حتَّى للحظات، كمْ تمنَّى البيت لو أنهم رجعوا أجمعون، لقام بعناقهم وقفل عليهم أبوابه وحجزهم بين جدرانه إلى نهاية الأجل!!! كمْ تمنَّت هذه العجوز أن يعود بها الزَّمان ليكون أوَّل ما ستفعله إمساك النَّهار بكلِّ قوة ومنعه من الحركة والطَّلب من الليل عدم القدوم، وكم ستضحك على حركات الأطفال وأخيهم الكبير! وستطلب من ابنتها أن تفرش البيت كلَّه وأمتعها وثيابها ودفاترها، حتَّى إنَّها ستسمح لها أن ترسم على جميع جدرانه بكلِّ ما لديها من أقلام وألوان، كانت ستطلب من كلِّ جيرانها وممَّن عرفتهم أن يقرعوا باب بيتها في كلِّ وقت، وأن يسألوها عن الملح والخبز وحتَّى عن اللحم إن شاؤوا، كانت ستنتظر زوجها أسفل الدَّرج وهي حاملة صينية الأكل،  وتجلس في بيت أبويها لساعات وساعات لتحلّ خلافهما، كانت ستفعل كلّ ما تستطيع لتجعل الزَّمن يقف عند عتبة هذه المرحلة، وستكسر كلّ ساعات البيت، وستعطي أمراً للشمس أن قفي وترجو القمر ألَّا يأتي، كانت ستضم عائلتها في حضنها، وتمنعهم من أن يكبروا، كانت ستكفِّر عن ذنبها  كيف أنَّها لم تشعر أنَّ السَّعادة تتركها وترحل عنها رويداً رويداً.
 أطالت النَّظر إلى الجدران وكأنَّها أشباح تفتح فمها لتنهشها ، أحست أنَّ لونها الأبيض كفنٌ سيلفها في كلِّ لحظة، ويدخلها إلى قبر قد حفر في أعماق الأرض السَّحيقة. نظرت إلى السَّاعة المعلَّقة  أمامها وعقرب الثَّواني يطارد عقرب الدَّقائق الَّذي بدوره يجعل عقرب السَّاعات هارباً كهروب السلحفاة من أسد ضارٍ،  اتَّجهت إلى غرفة الأبناء دخلتها دون أن تفتح بابها فهو مفتوح منذ أن غادرها سكانها، هنا كانوا ينامون وهنا كانوا يرمون أغراضهم،.
ألعابهم الَّتي ما زلت تنتظرهم وتأمل أن يرجعوا صغاراً، وقد أقسموا في أنفسهم إنَّ الرُّوح ستزرع بين أقمشتهم ليكبروا ويرحلوا مع أصحابهم، فتحت خزانة الألبسة الفارغة، فأحست بدموعها وسمعت صوت أنينها، سألتها وطالت الأسئلة عن حال أطفالها الكبار، شكت إليها غدر الأيام والإنسان، رجتها أن تعيد إلى رفوفها وأدراجها الحياة، تركت الخزانة بين حسرات وندم، ودخلت غرفة البنات فرأتها مظلمة فما زالت السَّتائر مغلقة معلنة الحِداد على أجساد لم تعد تنام بين جنباتها.
تركت الغرفة واتَّجهت عائدة إلى مقرها الدَّائم ودموع النًّدم والأسف تغسل وجهها، وآهات تخرج من القلب قد تحرق يوماً كلَّ ما تبقَّى من ذكرياتٍ وألم.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

ذات صلة

الأصل المجهول

الأصل-المجهول إنها كارثة أهل سوريا ومصيبتهم. عائلة أتت من المجهول لتجعل حياتهم جحيماً. لم تكتفِ عائلة الأسد بسرقة أموال البلاد

تابع القراءة »