جدال أحذية
مكتب للزواج
القرين

الإخلاص الأبدي

الإخلاص الأبدي

زهير ذلك الرَّجل البَّسيط المحبُّ لزوجته وخاصَّة في حالتها المريضة المزمنة الَّتي لم تمكّنها من العيش حياة عادية كبقية خلق الله .
اليوم صباحاً توفيت بين ذراعيه وقد حزن عليها حزن لا قبله ولا بعده ، أراد جاره أبو محمود أن يسرِّي عنه فقال له : سمعت أنَّ هناك من يعلِّم كيفية استحضار الأرواح .
أتعتقد بذلك يا جار ردَّ زهير مندهشاً وتابع : لم أسمع من قبل بهذا الكلام ؟!
نعم ، أؤكد لك أنك تستطيع أن تحضِّر روح زوجتك وتعرف مقامها وتسرِّي عن نفسك .
أرجوك يا جار ، أسعفني بهذه الوصفة الَّتي إن حصلت سأكون ممتنّاً لك طيلة حياتي .
الأمر سهل والجيران لبعضها ، قمْ من فورك لنذهب إلى الشَّيخ صالح .
فتح لهما صبيٌ وأدخلهما إلى شيخ متربِّع وسط الغرفة ذي لحية طويلة بيضاء .
بعد أن قبَّل أبو محمود يده ، وغمز زهيراً كي يفعل مثله ، ثمَّ جلسا باحترام بين يدي الشَّيخ .
ما طلبكما قال الشَّيخ بلهجة الواثق القادر على تلبية كلّ الاحتياجات ؟
يا شيخنا الوقور الغالي ، جئتك أنا وجاري زهير بعد أن أصابه الوهن والحزن على فقد زوجته ، ونرجو منك أن تعطيه وصفة لاستحضار روحها ؛ عسى أن يفرِّج همه وكمده وحزنه .
هل تثق بقدراتنا يا زهير ، سأله الشَّيخ ؟
طبعاً يا سيِّدي ، اسمكم لامع في سماء مدينتنا ، واتّصالكم بالله معروف ، وفضلكم لا ينكره حتَّى الجاحد .
حسنٌ يا زهير ، خذ هذه البهارات وعليك أن تنثرها على نار هادئة خلال عشرة أيام ؛ وفي اليوم العاشر ستسمع صوت زوجتك ، ولكن هذا كلّه يعتمد على يقينك بي ، واعتقادك بقدرتي على فعل الخوارق والكرامات ، وإن دخل قليلٌ من الشَّك إلى قلبك فلن تسمع أيّ صوت ، وربما تؤثّر على مقام زوجتك سلباً . إذا أردت خوض هذه التَّجربة فعليك باليقين بي ، وإلَّا ستخسر الدُّنيا والآخرة .
كلامك فوق رأسي وسأنفِّذ تعليماتك وتوجيهاتك بالحرف الواحد .
أخذ ما أعطاه من بهارات ، ودسَّ في جيبه ما تيسر من نقود ، وخرج من بيت الشَّيخ وكأنما حيزت له الدُّنيا ، انتظر مساء على أحرّ من الجمر ، وأشعل ناراً وضعها في وعاء على شرفة منزله ، ورشَّ  بهارات الشيخ ؛ وكم كان سعيداً عندما شاهد اللهب يتطاول ! وكم امتلأ قلبه فرحاً لأنَّه بعد أيام سيحدِّث زوجته الحبيبة ، ويشكو إليها حرقة الشوق ولذعة الفراق وفراغ حياته بعدها .
كرّر ما فعله تسعة أيام ، وفي اليوم العاشر كان قلبه يرقص سعادة ؛ ففي المساء سيتحدَّث إلى من أحبّ .
أوقد النّار كعادته وأفرغ فيها البهارات فعلا الّلهب ، انتظر دقائق إلى أن سمع صوتاً نسائياً يرحب  ترحيباً حارّاً .
لم يندهش ولم يتفاجأ ، فقد كان ينتظر صوت زوجته ،  فيقينه كبير بأن للشيخ أسراراً مرتبطة بأبواب السَّماء .
مرحباً يا زوجتي الغالية العزيزة .
أهلاً بزوجي العزيز .
لو تعلمين كم اشتقت إليك !؟
بمقدورك المجيء إليَّ .
وكيف آتي إليك وأنت في البرزخ الآخر !
بسيطة أطلب من الله أن يتوفّاك فنلتقي حالاً .
يتوفّاني !! حسنٌ ، سأفكر بالأمر وتابع في نفسه : حقّاً أنا في غاية الشوق إليها ولكن ليس إلى درجة الموت لألقاها ، الله يهديك يا جار ما كان عليَّ أن أسمع اقتراحك .
المهمّ كيف حالك ؟ وما مقامك؟
بكامل السَّعادة ، وأسبح في جنات عالية ، ولا ينقصني إلَّا وجودك معي . لا حول ولا قوة إلا بالله ؛ رجعنا لنفس العلاك ! على ما يبدو لن تتركني إلَّا عندما تجرّ قدميّ إلى القبر .
وكيف حالك أنت يا زوجي ؟
أشعر بالوحشة والكآبة ، والفراغ الكبير بعد رحيلك الَّذي نكب حياتي ، وأفقدني كلّ رغبة في العيش بدونك ، واستدرك نفسه ولكني لا أريد الموت الآن فأنا غير مستعد .
وأنا أشعر بفقدانك يا زوجي العزيز ، ولكن هنا في الجنة لا نشعر بالملل ؛ فالوقت ينقضي دون إحساس به .
في الواقع حتَّى في الدُّنيا أوقاتنا كلّها مليئة وأمورنا جيدة .
غيَّر الموضوع بسرعة قائلاً : ولكني أشعر أن صوتك اختلف وقد صار أكثر نعومة ؟
بالتّأكيد ، في الجنة كلّ شيء سيختلف ، ولو رأيتني لما عرفتني ممَّا حباني الله من جمال ورقة وصبا .
ردَّ خائفاً : إن شاء الله عندما يحين أجلي سأراكِ ولن أتركك  ثانية واحدة . ولكن الآن سأحيا ما كتبه الله لي من العمر .
كما تريد يا غالي ، ولكن هل ستعيش وحدك بقية العمر ؟ ألن تتزوج ؟
ما هذا الهراء الَّذي تقولينه ! وهل أستطيع النّظر إلى امرأة سواك ؟ أنا لا أبدِّلك بنساء العالم ؟ لم أكن أتوقّع منك هذا السَّؤال ؛ وأنا الَّذي كنت أنتظرك لتسرِّي عني ، فإذا بك تسألينني عن الزَّواج !
يا زوجي العزيز هذه سنّة الحياة ، وأنا لم أطلب منك أن تنساني . أعرف مقدار حبِّك لي وأقدّر تضحياتك ، ولكن لايجوز أن تعيش وحيداً تطبخ وتغسل وتنظف البيت بنفسك ، وإذا مرضت فلن تجد من يقف بجوارك.
أرجوك يا زوجتي ، لا تفتحي لي هذه السِّيرة ثانية ؛ فأنا من بعدك سأكون راهباً ، وأقسم بالله إني لن أنظر إلى امرأة ثانية ؛ فأنا باقٍ على حبّك ، وفيٌّ لك ماحييت .
رويدك يا زوجي ، أتخال أنّي سأكون حزينة إن تزوجت ! لا أبداً والله سأكون في منتهى السَّعادة ، فبرزخنا يختلف عن الحياة الدُّنيا ، فهنا لا تجد كرهاً ولا حقداً ولا حسداً ، أرجوك يا زوجي إذا كنت ما زلت تحبني فتزوَّج لتكتمل سعادتي في دار الآخرة .
ومن أين سأجد مثيلة لك؟ أنت لا تعوّضين .
سأدلَّك على امرأة بنت حلال مؤدبة ذات حسب ونسب .
ومن هي هذه المرأة ، ومن أين لها كلّ هذه المواصفات ، فأنا لم أنظر طيلة حياتي إلى غيرك .
إنها سميحة .
هل تقصدين سميحة جارتنا السَّمراء الطَّويلة ، أخت أبي محمود الَّتي لها من العمر خمسة وثلاثون عاماً وثلاثة أشهر وخمسة أيام ؟
نعم ، هي من قصدت .
ولكنها سمراء على ما أظنُّ ، فقد رأيتها مرة صدفة ودونما قصد ، ولا أحبُّ النِّساء السَّمراوات .
أتشكّك في ذوقي !؟ ثم إنّي في عالمي هذا أدرى بمن تناسبك .
لا ليس الأمر كذلك ، على كلّ حال لن أرفض لك طلباً ؛ فأنت زوجتي الَّتي لن أنساها إلى أن يتوفاني الله بعد عمر طويل ، والآن استودعك الله ،  فقد اطمأننتُ عليك وعلى مقامك وسأستحضر روحك دائماً .
صباحاً لم يذهب زهير إلى عمله ، ورابط على الشَّرفة ينتظر جارته ، وقد قرّر في نفسه أن يفاتحها بالزَّواج على الرَّغم من أنها ليست هدفاً له ، ولكنّ زوجته الَّتي تسكن في البرزخ الآخر أعلم منه ؛ فقد كُشف الغطاء عنها .
ما إن رأها أسفل البناية حتَّى قفز بخطوات سريعة رشيقة ، ونزل إلى الشَّارع وتعقّبها عن بعد إلى أن ابتعدا عن حيّهما ، فاقترب منها وسلَّم عليها . بدت الدَّهشة على ملامح سميحة ، فردَّت السَّلام بحياء العذارى .
هل لنا أن نجلس بالحديقة المجاورة سألها زهير ؟
أخاف أن يرانا أحدٌ ؛ فتلوك الألسنة الحادة شرفي .
لا تخافي ، فنحن لا نفعل شيئاً خاطئاً ، سأتكلَّم معك لبضع دقائق .
كما تشاء ، ولكنّني والله العظيم لو لم تكن جارنا ، وأُكِنُّ لك أشدَّ الاحترام لما جالستك ، فأنا لم أفعلها في حياتي مع أيّ شخص آخر .
أقدّر لك حسن تصرفك ، ولن أعطّلك طويلاً .
ما إن جلسا حتَّى قال لها زهير : تعلمين أن زوجتي ماتت ، فقاطعته قائلة : عليها رحمات الله ؛ كم كنت أحبّها ! تابع زهير : وأنا أعيش وحيداً وقد اقتنعت أنك المرأة المناسبة لتملئي حياتي من جديد .
قالت وقد طأطأت رأسها خفراً : فاجأتني بشدَّة ! ولا أعلم ما ردِّي ، وباب بيتنا تعرفه ، وأخي صديقك .
أفهم من هذا الرَّد إنك موافقة ؟
تركته بعد أن ارتسمت على وجهها ابتسامة عريضة .
مساء كان في بيت الخطيبة،  وقد اتفقوا على الإجراءات وحدّدوا موعد الزَّفاف .
وبعد عودته إلى بيته أشعل النَّار على الشُّرفة ، واستحضر روح زوجته الَّتي جاءت والسَّعادة تشع من صوتها قائلة : خير ما فعلت يا زوجي .
أو علمتِ بما فعلتُ ؟
طبعاً ،  أتظنني نائمة على أذني ، فأنا متتبعة خطواتك ما دامت هذه النَّار موضوعة ،  وما دام كيس البهارات مملوءاً ستراني بجوارك في كلّ وقت وحين .
مع أنّني سأتزوَّج سميحة ؛ ولكنّي أقسم لك إني لن أنساكِ ، وسأواصل التحدَّث إليك بشكل دائم .
متأكدّة أنَّك لن تنساني ، حتَّى لو وضعوا النِّساء العالم بين يديك .
أزف موعد الزَّواج وأمست سميحة زوج زهير .
واستمرّ بتحضير روح زوجته على فترات متقطّعة .
وفي حديث بين سميحة وزوجة أخيها قالت : حقّاً إن خطتنا نجحت ؛ ولكنه ما زال يستحضر روح زوجته ، وكلما أوقد النَّار أسرع متخفّية إلى غرفتي القديمة لأكلّمه من النَّافذة المطلة على شرفته على إنني زوجته ، وقد مللتُ من هذا الوضع .
قالت لها زوجة الأخ : عندما يحضِّر الرَّوح أنا سأكلّمه وأنهي لك هذه المعضلة .
همّ زهير أن يشعل النَّار فأسرعت سميحة وأخبرت زوجة أخيها الَّتي سألته بعد أن رشَّ البّهارات على النَّار : كيف حالك يا زهير مع سميحة .
والله هي بنت حلال وطيبة ، ولكن لمَ صوتك متغيّر ؟
ألم أقل لك : إننا هنا كلّ يوم في شأن ! لا تخرجني عن موضوعي الأساسي ، هل هي أحلى مني ؟
لا، ولكني مسرور معها .
أفهم أنك قد استبدلتني .
أبداً والله ولكنها طيّبة وبنت حلال .
سأقول لك أمراً : إما أنا أو هي ، عليك الاختيار ؟
لمَ يا زوجتي ، ألم تنصحيني بها ؟ ألم تضغطي عليَّ لأتزوِّجها ؟
قد فعلت ، ولكني الآن أشعر بالغيرة ، وأحسّ أني قد أخطأت التَّقدير .
يا زوجتي الغالية ، رحمك الله وجعلك روحك في عليّين ، الحيّ أبقى من الميت ، وعلى هذا سأطفئ النّار ، وأرمي ما تبقّى من بهارات لينتشر في الهواء الطّلق مبتعداً عنك ، أراك بخير عندما نلتقي بالدَّار الآخرة ، وأتمنّى من الله طيلة العمر لي ولزوجتي الجديدة الجميلة والله الموفّق .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

ذات صلة

الأصل المجهول

الأصل-المجهول إنها كارثة أهل سوريا ومصيبتهم. عائلة أتت من المجهول لتجعل حياتهم جحيماً. لم تكتفِ عائلة الأسد بسرقة أموال البلاد

تابع القراءة »