جدال أحذية
مكتب للزواج
القرين

عقيدة سياسي

عقيدة سياسيّ

ما هذه الجلبة في الخارج ! وما هذه الأصوات العالية ! نشبت الحرب العالمية الثالثة أم أنَّ جيراني يهدمون بيتهم ! خرج خالد مستطلعاً ما يحصل في الخارج ، بحث في الجوار فلم يجد شيئاً ذا أهمّيَّة ، وعندما قرّر العودة إلى المنزل شاهد منظراً جعل الدِّماء تجمد في عروقه ، ما هذه مركبة فضائية في كراجي ! أهي مزحة من أحد الرِّفاق أم إنَّ السَّماء باتت تمطر مركبات !
تفقّدها فإذا به يرى كائناً شبيهاً ببني البشر أو من منطقة مجهولة يرتدي ثياباً غريبة لم يشاهد خالد مثلها من قبل ،  فقد يكون أتى من غابات الأمازون وهو مغمى عليه ، سحبه منها ومدّده على الأريكة داخل منزله وحاول إنعاشه ، وبعد محاولات عديدة نجح بإعادته إلى وعيه .
من أنت ! وكيف وصلت إلى هنا !وما غايتك ! وما اسمك !
رويدك أيها الصَّديق . سأروي لك قصّتي ، لكني أريد كأساً من الماء ،  فمنذ أشهر لم يدخل جوفي قطرة منه .
ما هذا الكلام الَّذي لا يصدق ! أشهر ! الظَّاهر أنَّ هذا الرَّجل قد تأثّر عقله بالاصطدام ولا يقدِّر الكلام قال مبتسماً . شرب الرَّجل الكأس دفعة واحدة ، وطلب المزيد على أن يكون في وعاء كبير .
نفَّذ طلبه مستغرباً سائلاً : هل يستطيع أن يشرب كلّ هذا الماء ! لنرَ نهاية هذه اللَّيلة .
تفضّل هذا وعاء كبير لايشرب به إلَّا الجمل .
وضعه الرَّجل على فمه ولم يتركه إلا وقد أفرغ آخر قطرة منه في جوفه .
ازدادت دهشة خالد ، وأيقن أنَّ في الأمر شيئاً غريباً ، فلا يمكن لرجل طبيعي شرب هذا الكمّ من الماء !
والآن أخبرني ما قصتك قال خالد ؟
هل ستصدقني إن أخبرتك ؟
لا أملك إلَّا أن أصدقك بعد أن شاهدت الغرابة فيك ومنك !
يا صديقي ، عفوا ما اسمك؟
اسمي خالد .
عاشت الأسماء ،  اسمي الرقم خمسة قادم من الكوكب الأزرق ، ففي كوكبي ليس لنا إلَّا أرقام ، وقبل أن يكمل قاطعه خالد قائلاً : الله يرضى عنك لا تكذب ، ولا تلعب بعقلي ، فعلى مايبدو أن هذه الأفلام الفضائية الَّتي تعرض بالتِّلفاز قد أثّرت على عقول كثير من الشَّباب ؛ قل كلاماً مقنعاً ، ولا تجعلني أتّصل بالشّرطة لأنهي هذه المهزلة .
أرجوك أن تسمعي وتصدقني ؛ فوالله لا أعلم ما التّلفاز ، ولم أره في حياتي ، ماذا تعني بالشّرطة الَّتي ستتصل بها ، أهي صديقتك أم أمّك أم أختك !
زادت حيرة خالد ؛ وقال في نفسه : سوف آخذه على قدر عقله وأسمع آخر كلامه ، ثمَّ أقرّر ماعليَّ فعله .
حسنٌ ، يا رقم خمسة أتمم قصتك ، ولكن خفّف عليَّ قليلاً بمعنى قُلْ كلاماً مقنعاً كي أصدقك .
يا سيِّد خالد ، أنا أتيت مبعوثاً من شعبي في الكوكب الأزرق لأتواصل مع شعب الأرض ، فقد كنّا منذ مئات السِّنين نعيش حياة رائعة هادئة على هذا الكوكب ؛ نحبُّ بعضنا ونتعاون ونقتسم اللقمة فيما بيننا ، إلى أن جاءت علينا سنوات قحط جعلت حياتنا صعبة مستحيلة ، فلم تعد السَّماء تمطر فيبس الزَّرع وجفَّ الضّرع ، حتَّى إننا لم نعد نشرب ماء إلَّا كل عدّة أشهر ،  وكما رأيت حالتي فنحن نحتاج إلى الماء ، وإذا لم يتوفّر خلال السّنوات القادمة فسوف نهلك على آخرنا .
حكَّ خالد رأسه مفكّراً متسائلاً : هو بحلم أم بعلم وأردف : وماغذاؤكم ؟
نأكل الخضار والفواكه ، ولكن إن لم نجدها نكتف بالماء ، فنحن نستطيع أن نبقى أحياء به .
كم عمرك ؟
على حساب أهل الأرض عمري ثلاثمئة سنة ، أما على حساب كوكبنا فعمري عشرون عاماً.
ماهذه (الخرطة)الكبيرة ! وهل هناك من يعيش هذا العمر ! قل كلاماً يمكن تصديقه يا رجل .
أتريد أن ترى الحقيقة بأمّ عينيك؟ طبعاً ، وأنا لا أبحث إلَّا عنها .
سحبه بيده ، ورجعا إلى مكان المركبة الفضائية بعد أن دخلاها شغّل شاشة صغيرة ، فظهرت سماء واسعة وما زالت الصُّورة تصغر وتقترب حتَّى شاهد خالد صوراً أذهلته وجعلته يراجع نفسه .
انظر هنا يا سيِّد خالد ، هذه مدينتي وهذه منازلنا ، أترى كيف أنّ الأشجار ذابلة تلفظ أنفاسها الأخيرة ! أترى هذا الطّفل وبجانبه أخته الصَّغيرة يمشيان على غير هدى ، وحالتهما تبكي الصَّغير قبل الكبير  !؟
نعم نعم أرى ، وصار يمسح دموعه بعد أن تأثّر بمناظر الجفاف وحالة الأطفال والكبار .
وتابع الرَّقم خمسة : لذلك خاطرت بنفسي ، وأتيت إلى كوكبكم عسى أن أفرَّج الهمّ والغمّ عن أهلي وكوكبي .
ولكن هذا أمر قد لا يصدقه كثير من النَّاس هنا ، وقد يقتلنا المسؤولون إن علموا بأمركم ، فنحن عندما نهاجر من أرض إلى أرض بسب الحروب أو لتحسين حياتنا الاقتصادية والاجتماعية، يقف المستبدّون في هذا العالم بوجهنا ، ويعاملوننا كسرطان خطر يحتاج إلى استئصال سريع ، تعال معي إلى البيت بسرعة لأخفيك عن أعين الجسّاسة ، ثمَّ نفكّر بما علينا فعله .
دخلا البيت وأغلق خالد الباب بإحكام ، وانهمك بالتَّفكير في هذا البلاء الَّذي صُبَّ على رأسه من غير موعد .
سأعطيك ملابس تناسبك ، فمقاس جسمك قريب من مقاسي ، وسأطلق عليك اسماً متداولاً في عالمنا ، ماذا تريد أن أسميك ؟
اختر لي ، فأنا غريب لا أعرف أسماءكم .
سأسميك عطيّة ، فقد أرسلك الله عطية لشعبك ، وربما يكون الخير فيك لتنقذ شعبك ووطنك .
سأخصّص لك غرفة في الطَّابق العلوي من البيت ، فكما تراني أسكن وحيداً ، وقد تكون لي أنيساً .
والآن تفضّل لتنام فقد انتصف الليل .
صباحاً أيقظ خالد عطية وقدم له الفطور ، فشاهد على الطَّاولة أصنافاً مختلفة ومتنوعة من الطَّعام  : البيض والجبن والزبدة ومختلف المربيات ، مع العصائر والشَّاي والقهوة ، اِلتهمها عطية وشربها كلّها ؛ وكأنَّه لم يأكل منذ مئات السِّنين ؛ فلم تبق قطعة خبز أو طبق فيه ولو آثار طعام .
أيقن خالد أن قصة هذا الشَّخص صحيحة ، ونوى على مساعدة شعبه ، فهو أصلاً أتى لاجئاً إلى أمريكا هارباً من ظلم حكام بلده .
تفضّل معي يا عطية لنخرج وأعرِّفك على مدينتي ، فأنا أسكن بولاية تكساس الأمريكية ، وهي ولاية جميلة ونظيفة .
ركبا سيِّارته وتجوّلا في المدينة وقد شاهد عطيّة شيئاً خياليّاً من الحضارة والتَّطور لم يكن يتوقّع أنَّه سيراه في الأحلام !
سأل عطية مستهجناً : أرى النَّاس تسير كروبوتات آلية فلا أحد يهتم بشأن أحد ! ولا أرى أنَّ هناك من يتحدَّث أو يلقي السَّلام على الآخرين ! فما بالكم تتعاملون بهذا الشَّكل البارد الجامد !؟
الحياة هنا يا صاحبي عمل فحسب ، أمّا المشاعر والأحاسيس فإنّنا – للأسف – فقدناها منذ زمن .
في كوكبنا الأمر مختلف فالعلاقات الاجتماعية صلبة ومتماسكة وكلّنا أصدقاء وأحباء.
عادا إلى المنزل وقد أخذ عطية فكرة مبدئية عن وضع القارة الأمريكية من خلال الشَّرح الَّذي قدَّمه له خالد .
بعد طعام الغداء قال خالد : تعال لنشاهد التَّلفاز وسأريك أخبار العالم .
كان هناك برنامج عن الهند ، وقد دهش عطيّة عندما شاهد أنَّ هناك أناساً يعبدون البقر ويسجدون لرجال مثلهم .
فسأله : هذا تمثيل أم حقيقة ؟
حقيقة يا صاحبي ، وهناك في الصِّين أيضاً من يعبد بوذا ، وفي إيران من يعبد الأضرحة ، وهناك من لا يعترف بوجود الله وخاصَّة بالقارة الأوروبية .
يا للهول! في كوكبنا كلّنا نعرف الله ونعبده كإله واحد لا شريك له، ما هذا الدَّجل والكذب.
وفّقك الله ؛ غيّر هذه القناة ودعنا نرَ شيئاً آخر .
انتقل خالد إلى قناة اقتصادية ، فجحظت عينا الفضائي بعد أن شاهد البنوك والرِّبا ، وكيفية التَّعامل في الاقتصاد العالمي ، وكيف تتم سرقة خيرات البلاد الضَّعيفة من قبل الدُّول المهيمنة على العالم ، فصرخ : الله أكبر ما هذا الظُّلم والتَّجبر ! في كوكبنا نأكل من نفس المائدة ولا نفرّق بين شخص وآخر ، وليس فينا غني ولافقير فكلّنا سواسية .
لا تغضب سأقلب القناة .
لمَ الشَّوارع فارغة هنا والجيش والشّرطة مصطفّون على جوانب الطّرق ؟
سيمرُّ رئيس هذه الدَّولة العربية من هذا الشَّارع .
فليمرّ ومن يمنعه ! وهل إذا أراد أن يخرج إلى إخوانه من الشَّعب عليه أن يفرغ الطُّرقات ؟
إنِّه يخاف على حياته من الاغتيال .
ولماذا  يغتاله أهله وأحبابه ؟
لأنَّه طاغية ظالم ، قتلهم وجوَّعهم وسرق أموال الدَّولة ووضعها بحساباته في سويسرا ، وبنى للشعب السُّجون والمعتقلات بدل أن يبنى المستشفيات والجامعات ودور العبادة .
يا لطيف هذه المظاهر لاوجود لها في كوكبنا ! فابن عمي هو القائد الأعلى للكوكب ، وليس لي أيَّة مزيّة عن باقي النَّاس ، حتَّى إنَّه يعيش بيننا كما نعيش ، ويشرب ممَّا نشرب ، رجاء غيّر القناة .
يا للهول ! ما هذا القتل والحروب والتَّفجير ! أرى أشلاء أناس تتطاير في في الهواء وبراميل ترمى من طائرات على شعب أعزل .
أجل يا صديقي ، هذه بلدي الَّتي هربت منها والتجأت إلى أمريكا .
ولم تهرب من بلدك وفيها أهلك وهي أصلاً لك ؟
كما أخبرتك فيها حاكم قاتل سارق ، تمسّك بالسَّلطة المطلقة وساعده حكام العالم الظَّالم ، وعندما ثار النَّاس فتك بهم كما ترى .
أرجوك أغلق هذا الجهاز فلا أريد أن أرى منه شيئاً بعد الآن .
مضت بضعة أسابيع وقد تعرّف عطية على المدينة وصار كواحد من أهلها .
مساء قال عطية لخالد : أريد شكرك على حسن الضِّيافة ، وقد حفظت البلد ودروبها ، وأريد أن أشق طريقي بنفسي .
ولكنك ما زلت جديداً على البلد !
سأتدبَّر أمري إلى أن أستطيع تخليص شعبي من واقعه المؤلم .
ودَّعه وخرج وطالت غيبته حتَّى إنَّ خالداً كاد ينسى أمر عطية . وعندما كان يراقب التَّلفاز لفت انتباهه مشهدٌ كاد لا يصدق نفسه ، أليس هذا عطية أم شُبّه لي ! ولكن ما الَّذي يفعله في هذا المعبد الوثني ! أرى أنَّه يضع الزُّهور على إله خشبي ، أمر أغرب من الخيال ! ولكني أرى أنَّه منتسب للحزب الحاكم أيضاً ، أووووف كيف وصل هذا الرَّجل إلى هذا الرُّتبة ! سآخذ عنوانه وأحاول الاتصال به .
في اليوم التَّالي صباحاً انطلق خالد إلى عنوان عطية ، وبعد أن طلب رؤيته ووقف أكثر من ساعتين على الباب سُمح له بالدُّخول .
قابله حارس على الباب الدَّاخلي ، وفتّشه بشكل دقيق إلى أن تأكد  أنَّه لا يخفي أيّ سلاح فأدخله على السَّياسي عطيّة .
السَّلام عليكم يا صاحبي قال خالد .
تلقّاه عطية بوجه بارد كصقيع لم يتعرض للحرارة أبداً .
تفضل ماذا تريد ؟
ألم تتذكرني يا عطية ؟
طبعاً تذكرتك ، وإذا سمحت اسمي جون .
كيف غيّرت اسمك وكيف وصلت إلى هذا المركز وأنت أصلاً لست من كوكبنا !؟
زوّرتُ أوراقي وأخذت الجنسية ، ووجدت أن أقرب الطُّرق للوصول إلى غايتي والتَّمتع بالحياة أن أكون سياسياً .
ولكني شاهدتك في معبد وثني ! وكنت موقناً أنك تعبد الله الواحد الأحد .
هذه أمور إجرائية لا خلاف عليها الإيمان بالقلب .
ولكن كما أخبرتني أنك تكره الحراسة ، وتريد أن يعيش الحاكم كما يعيش بقية الشَّعب .
لكلّ مقام مقال ، قد تغيَّرت الأمور بتغير المعطيات .
وشعبك ! ماذا عنه ؟
يا أخي ، هؤلاء المهاجرون عبء على الدَّول ، ولا نريد أن نثقل كاهلنا بالمشرّدين حرصاً على مستقبل أطفالنا .
ولكنهم ينتظرونك لتنصرهم ، وتنتشلهم من الجحيم وتنقذهم من الموت .
يا خالد ، إنّ الله لا ينسى أحداً وكل؟ إنسان يأخذ نصيبه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

ذات صلة

الأصل المجهول

الأصل-المجهول إنها كارثة أهل سوريا ومصيبتهم. عائلة أتت من المجهول لتجعل حياتهم جحيماً. لم تكتفِ عائلة الأسد بسرقة أموال البلاد

تابع القراءة »