جدال أحذية
مكتب للزواج
القرين

لكلّ زمان دولة ورجال…

لكل زمان دولة ورجال …

في دار كبيرة لفَّها الصَّمت وخيم عليها السُّكون كهدوء المقابر . فقد هجرها ساكنوها منذ أعوام ، فلم تعد الأشياء تتذكر لغة المخاطبة فقد نسيت اللغات واللهجات .
لم تعد اللوحة المعلّقة تستطيع على الجدار التَّحمل ، فصرخت بأعلى صوتها : ما هذا الهدوء المقيت القاتل ؟! أريد التحدُّث مع أيّ شيء ؛ فقد فاض بي ، أشعر إنَّي سأنفجر خلال دقائق إن لم أسمع صوتاً .
ردّ القنديل المتدلي من سقف الصَّالون الواسع : حقاً قد كرهنا هذا الوضع ، وصارت أيامنا كلّها سواسية ، فلا جديد في حياتنا ، وعلى ما يبدو أنَّنا فقدنا كلّ أمل في أن نرى أو نسمع صوتاً غريباً أو قريباً .
قالت الطَّاولة : لنتكلَّمْ مع بعضنا عسى أن نسرِّيَ عن أنفسنا .
قالت المزهرية : هذا أفضل اقتراحٍ ، فمنذ أن وضعوني فوقك وغادر البيتَ أصحابُه لم يلمسني أيّ إنسان أو يبدي أيّ اهتمام بي .
قال الكرسي : وأنا هجروني جميعهم ، ولم يعد بحاجتي أيّ متعب .
أجابت الأريكة : أمًا أنا فماذا أقول ! فقد كان جميع أهل البيت بحاجتي ، ولا يرتاحون إلَّا عندما يجلسون عليَّ ، أمّا الآن فقد أهملني كلّ من كان يطلب ودّي .
آاااه كم كان أصحاب البيت يتمنون أن يشربوا بزجاجي الشَّفاف الرَّائع مياهاً باردة قالت الكأس !
ألم تشعروا أني صرت قطعة جامدة منذ أن أغلقني أصحابي ، ولم أتحرك من مكاني قال الباب ؟
ردَّ التِّلفاز : أمّا أنا فكم تحلّقوا حولي ! وكم انتظروا ظهور صوري وسماع صوتي ! أما الآن فأعتقد أنّني لن أستطيع أن أصدح ثانية .
أجابه مذياع قديم جالس في الزَّاوية المهملة من الصَّالون : أنا منذ زمن بعيد لم يسمعوا صوتي ، رغم أنهم كانوا موجودين ويمرون أمامي صباح مساء ، لكنهم أهملوني لأنِّي كبرت وعجزت ، سامحهم الله .
ردَّت السَّجادة وقد علاها الغبار : كم جلسوا عليَّ في الليالي الباردة واحتموا من برد الشِّتاء بصوفي ! ورموني الآن دون أن يقدموا أيّ اهتمام أو ردٍّ للمعروف .
قالت الخزانة : يا أخوة ، كلّنا أُهملنا وظُلمنا منذ أن هجر أصحابنا البيت ، ولا نريد أن نفتح جروح الماضي ، دعونا منها ولننظر إلى المستقبل عسى أن نجد فرجة أمل ، فقد جمعتنا الظُّروف في هذا البيت ، وعلينا أن نتأقلم على هذا الوضع ، فدعونا نتسامر ونساعد بعضنا ونروِّح عن أنفسنا ، ونجد طريقة لنضيع الوقت الَّذي لا فائدة منه .
قالت الطَّاولة : والله هذا خير الكلام ، فلنفتح قلوبنا لبعضنا ونتكلَّم عن ماضينا ونتسلّى .
أجابت المزهرية : سأكلِّمكم عن نفسي ، فأنا كما أظنُّ أنّي أكثر قيمة وأهم قطعة في هذا المنزل ، فكما تشاهدون الزَّخارف البادية عليَّ ، والألوان التي تخطف لبَّ كلّ من يراني ، فقد صُنعت بيدي فنان سهر الليالي الطَّويلة حتَّى استطاع أن يُخرج شكلي بهذا الجمال .
ردَّت الطَّاولة وقد غاظها كلامها ومدحها نفسها : أتعلمين أنِّي قُطعت من جوف غابة كثيفة من الصُّعوبة أن تصل إليها قدم إنسان ؟ وكم كانوا حريصين على نقلي وتجفيفي وصناعتي حتَّى بدوت بهذا المنظر الخلاب !
قالت اللَّوحة : يالكم من مجانين ! ومن ينكر جمالي وأناقتي وحسن اختيار ألواني !
قال التِّلفاز حانقاً : لو تعلمون – يا أخوة – كم وجد المخترعون صعوبة في الوصول إلى التِّقْنيات الَّتي صرت عليها لاستغربتم ! فأنا أرى أنِّي القطعة الاستثنائيّة في هذا المنزل ، ولا يعلو على شاني أيّ شيء آخر .
لا تحسب أنك صرت كما أنت من دوني ،وفأنا أوَّل فكرة للإنسان ، وأنا أهم ما توصلوا إليه أجاب الرَّاديو .
ردَّ القنديل : يالكم من أغبياء ؛ وهل كان لكم وجود لولا أنَّهم اخترعوا ضوئي ! اِذهبوا والعبوا بعيداً عني ؛ فوجودكم لم يكن لولا أنّي أضأت لكم الطَّريق .
قال الباب : أتنكرون فضلي عليكم أيها الجاحدون ! ألم أحافظ عليكم وأمنع الأيدي الغريبة من أن تمتد إليكم وأحرسكم وأحميكم ؟!
سمعوا قهقهة قوية وصوتاً يقول : أيها الصّغار الحمقى ، من ينكر جمال ألواني ورقّة ملمسي يكون مختلاً ويحتاج إلى مشفى للمجاذيب ، ولا تنسوا أني منعت الشَّمس من أن تفتتكم وتجعلكم في عالم النِّسيان ، أتخالون حقّي سيضيع لأنني لم أتكلم ! واهمون أيها المختلون ، ففضلي عليكم كبير ولا ينكره إلَّا جاحد ناكر للجميل تحدَّثت السّتارة .
قالت السَّجادة : وكيف لكم إن تنسوا ما أنا عليه من جمال ورسوم تزيّن البيت وأشياءه !
ردَّت الخزانة : يالكم من مهابيل لا تعرفون قدر الأشياء !حقاً السُّكوت أفضل بمئات المرات من التحدُّث مع أشياء تافهة .
تحركت الطَّاولة محاولة أن تسقط الكأس والمزهرية وفُتح الباب حتَّى تُسرق كلّ الموجودات ، وانزاحت السِّتارة لتجعل الشَّمس في وسط المنزل ، وشعرت الكراسي بغضب ، وتهيأت الأريكة لتنقض على السُّجادة وتعلمها الأدب .
توقفوا عندما سمعوا صوتاً خفيفاً وكأنَّه آتٍ من قاع عميق ، وبعد بحث تأكدوا أنَّه يصدر من زهرة لم تُروَ منذ مدة طويلة فصارت عوداً يابساً لا يمتُّ إلى الحياة بصلة .
قالت : لا تتخاصموا يا أصدقائي ، فالدُّنيا فانية واعتبروا مني ؛ فقد كنت زهرة جميلة يرغب كلّ من يراها أن يشمَّ رائحتها وينهل من عطرها ، وبعد أن يبست تخلّى عني كلّ من كان يتوق للمرور بجانبي .
عادت الأصوات العالية والجلبة إلى أن سمعوا صوتاً رجولياً خشناً يقول : من ترك الباب مفتوحاً ؟ فإذا برجلين وامرأة يدخلون .
قالت المرأة بعد أن تجوّلوا في البيت : قد أعجبني البيت وترتيب غرفه ، ولكن أريد استبدال الباب الخشبي بباب حديدي ، وهذه الطَّاولة لا تناسبي سألقيها للحرق مع كراسيها ، والمزهرية (موديلها) قديم سأرميها بالقمامة ، والسِّتارة سأعطيها لأوَّل سائل مع هذه السّجادة العفنة ، والكؤوس سأكسرها فمنظرها مقرف ، وما هذا التّلفاز القديم الَّذي عفا عليه الزَّمان ! وأوَّل مرة أرى راديو بهذا القبح ! أرجوك يا زوجي قبل أن أضع قدمي في البيت عليك التَّخلُّص من هذه الأشياء ، ولا تنسَ هذه الخزانة واللَّوحة المعلَّقة فمنظرهما القبيحان يشعرانني بالغثيان والاشمئزاز .
خرجوا جميعاً بعد أن أغلقوا الباب، لحظات ساد صمت قاتل إلى أن سُمع نحيب صادر من جميع الأشياء، قالت الطَّاولة حقاً لا أمان لبني آدم وأن الغدر شيمته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

ذات صلة

الأصل المجهول

الأصل-المجهول إنها كارثة أهل سوريا ومصيبتهم. عائلة أتت من المجهول لتجعل حياتهم جحيماً. لم تكتفِ عائلة الأسد بسرقة أموال البلاد

تابع القراءة »