أنا عربي آااااااه يا نيالي
قال عمران لأخيه : يا أخي ، أريد أن أهاجر بلاعودة ، كرهت البلد و مًن فيها ، عندما أستيقظ في كلّ صباح أشعر أنَّ هناك يداً كانت تحاول خنقي طيلة الليل فأقوم مفزوعاً ، لن أستطيع العيش بهذه البلد وفي هذه الأزقة ، ومع هذه الوجوه الجامدة الَّتي لا تعرف إلَّا التَّسبيح للحاكم والتَّهليل له .
سافر من يمنعك من ذلك ؟
حقاً قد أخذت قراري ؛ سأترك البلد لمنافقيه وحكامه ، وغداً لديّ موعد مع قسم المخابرات العسكرية ، فهم يريدون التَّحقيق معي للسماح لي بالسَّفر وبدون موافقتهم لا أستطيع .
أعلم بهذا الإجراء ، وعلى كلّ حال هو أمر اعتيادي ، فأنت غير معارض علناً ، ولا أحد يعرف اتجاهك السِّياسيّ ، وعندما تُسأل من قبل القسم عليك المواربة ، وإن لم تفعل فبدلاً من السَّفر إلى الخارج ستسافر إلى حضن الوطن وداخل سجونه .
طبعاً ، هذا أمر مفروغ منه ومعروف ، وعليَّ أن أتخير ردودي .
صباحاً وصل مهران إلى القسم ودخل على المحقق ، فاستقبله بابتسامة عسليّة مُسمّمة .
تفضل اجلس قال المحقق وتابع : ماذا تريد أن تشرب ؟
لا شكراً ، أريد أن آخذ موافقتي الأمنية للسفر فأنا مستعجل .
أعاد المحقق الابتسامة نفسها وقد هزَّ رأسه قائلاً : الموافقة ؟ أتظن أنَّنا شركات تجارية تطلب منها فتلبيك ! نحن دولة وعلينا السَّهر على مصالح ابنائها وحمايتها من الفكر الدَّخيل .
كما تريد يا سيِّدي ، أشرب قهوة .
لا لا الشَّاي أطيب ومهدّئ للأعصاب .
كما تريد يا سيِّدي ، فليكن شاياً.
بعد أن قُدِّمَ الشَّايُ أخذ مهران عدة رشفات منه ، قال المحقق : والآن أخبرني ما اتجاهك السِّياسيّ ؟
ليس لي أيّ اتجاه سياسي ، فقد تخرَّجتُ في الجامعة منذ أكثر من خمس سنوات ولم أجد عملاً ، لذلك قررتُ السَّفر .
نعرف هذه التَّفاصيل غير المهمة ، فأكثر شبابنا يسعى للسفر بسبب ضيق يد الحال ، ولا يهمنا هذا الأمر بشيء .
ما يهمنا أمن البلد وحماية حدوده من الحاسدين والمتربصين بوحدة ترابه ، أعطني حسابك على مواقع التَّواصل الاجتماعي .
لا أملك إلَّا حساباً على الفيس بوك وهو باسمي الصَّريح وهذه صفحتي .
جيد ، ولكن لو علمتُ أنَّ لك حساباً آخر لم تعطني إياه فالويل لك .
فتح المحقق الحساب وبدأ يطّلع على ما كُتب فيه ، إلى أن وصل إلى أحد المنشورات فصرخ: أوووف يالك من خطر !
ماذا هناك يا سيِّدي أهناك خطبٌ ما ؟! ماهذا : (للهم انصر الضعفاء وامحق الظالمين ) ! من تقصد بهذه العبارة ؟
والله يا سيِّدي منذ عامين اختلفت مع صديقي صادق ، فكتبت هذا المنشور بعد أن أساء الظَّن بي وظلمني ، ولكم أن تسألوه ، وعلى كل حال سأقوم بمسح المنشور إن ضايق سعادتكم .
إي من الأفضل أن تمسحه فقد يفهمه الكارهون والحاقدون على أنَّه موجّه إلى الجهات العليا في وطننا .
وكما تعلم أنَّ المتربّصين بأمننا كثير .
أعلم يا سيِّدي ، ردَّ الله كيدهم إلى نحورهم .
قد عملنا عنك بحثاً قبل فترة ، ولم نجد عليك أيّ شبهة ، لك أن تسافر بعد أخذ الموافقة من بقية الأقسام الأمنية . في الأيام القادمة تستطيع الذهاب إلى بقية الأقسام وتنهي معاملتك .
شكره عمران على طيب استقباله وحسنّ ملاقاته .
في اليوم التَّالي ذهب مبكّراً إلى قسم المخابرات الجوية .
دخل على المحقق وكأنَّه توءم المحقق الماضي .
ماذا تريد أن تشرب سأله ؟
أجابه بسرعة : شاياً .
لا لا قهوة تهدّئ الأعصاب ويصفو بها المزاج .
بعد أن تجاذبا أطراف الحديث ، طلب منه كالعادة حسابه على مواقع التَّواصل .
كالمرَّة السَّابقة استغرق المحقق في قراءة ما كتبه على صفحته إلى أن صرخ يا للهول ! ماهذا !
ماذا هناك يا سيِّدي ؟
ماذا تقصد بهذه العبارة : (يا ربّ فرجك) ؟
بالتأكيد لا أقصد بها الجهات العليا ، إنّما كنت مقترضاً من صديقي عاصم بعض النُّقود منذ ثلاثة أعوام ، وكتبت هذا المنشور عسى أن يقرأه فيلين قلبه ويؤخّر المطالبة بالسّداد .
سنسأل ، وإن كنت كاذباً فالويل لك .
اليوم سيزور قسم المخابرات الداخلية ، بعد أن فتح المحقّق حسابه على الفيس وفتّش به ، نظر إليه قائلاً : كم أنت خبيث أيها الشَّاب !
ماذا هناك يا سيِّدي ؟
ما هذا المنشور الملغوم (ماني مبسوط) ! أتقصد أن تشوّه بلدنا أمام أنظار العالم ؟ وكيف تكون بهذه الحالة وأنت في بلد الأمن والأمان ؟ الَّتي يحميها قائدنا المفدّى !
ليس الأمر كما تظنّ ، ولكنّي في يومها لم أستطع النوم من لسع البعوض الَّذي ينبعث من حاوية القمامة ، فالبلديّة لا تهتمّ بالحي .
آااااه أمسكت بك أيها المأفون ؛ تريد أن تتحدَّث عن البلديّة ثمَّ عن المحافظة ثمَّ تتطاول على مقام الرِّئاسة .
أبداً ، والله لم أقصد ، ولكن البعوض كان شديد الغلظة كشدّة الحرارة يومذاك ، وقد كتبت المنشور دون أيّ خلفية .
حسنٌ ، سأتجاوز عن هذا الخطأ المريع ، ولكن في المرَّة القادمة اكتب باللغة العربية الفصحى ؛ فنحن بلد القومية ومن المعيب أن نظهر ضعفنا في الانتماء لأمَّة العرب .
في قسم الأمن العام بحث المحقّق مليّاً في منشورات عمران ، فلم يجد أيّاً ممَّن عليها شبهة ، فقد راجعها عمران ومسح أغلب منشوراته .
وعده المحقق خيراً وأنَّه سيمنحه الموافقة في وقت قريب .
بعد ستة أشهر تحصَّل عمران على الموافقة ، واستعدّ للسفر إلى بلد عربي ، وكان لايعطي فرحته لأحد ، فقد تخلَّص ممَّن كاد أن يخنقه ، وفتحت له الدَّنيا آفاقاً جديدة في بلد قدَّر أنَّه سيعيش فيه بسعادة وحريَّة .
بعد أن حلقت طائرته مبتعدة عن حدود وطنه شعر براحة لا توصف، فالقيد الَّذي أدمي معصميه واللجام الَّذي كمم فمه قد انتهيا للأبد.
هبطت الطَّائرة على أرض المطار ، وعندما همَّ بالخروج أمسكه أحد رجال الأمن من يده قائلاً : إذا سمحت أن تأتي معي للتفتيش ، قال بدهشة : قد فُتشت حقيبتي ولا أحمل أيّاً من الممنوعات .
ممنوعات ومن سألك عن الممنوعات ! المخدرات والخمور والحشيش وتهريب العملة والآثار هذه الأشياء كلّها غير مهمة ، المهم ما تحمل من أفكار في رأسك . تفضّل معي وأعطني هاتفك النّقال.
اصطحبه إلى غرفة مغلقة ، وفتح الهاتف النَّقال و فتش بين طيّاته إلى أن وصل إلى الفيس بوك قلَّب فيه لأكثر من نصف ساعة إلى أن صرخ : هذا ما كان ينقصنا ، الإرهابيون في بلدنا لا نعرف كيف نتخلَّص منهم حتَّى يأتينا من الخارج أيضاً .
ماذا وجدتم يا سيَّدي ؟ أقسم بالله لم أترك منشوراً أو كلمة قد تأخذ بغير معناها إلَّا حذفتها .
وما تقول أيها الإرهابي في هذا المنشور . (إن تنصروا الله ينصركم) . الظَّاهر أنك تقصد أن وليّ نعمتنا وقائدنا وحاكمنا لم ينصر الله !
قد فهمنا فكرك أيها المجرم ، وسيكون السِّجن دار إقامة دائمة لك ولأمثالك ممَّن يحاربون سلاطيننا .


