جدال أحذية
مكتب للزواج
القرين

البرد سبب كلّ علّة

البرد سبب كلّ علَّة

اعتاد إبراهيم أن يبرمج حياته بحسب مرقّم الطَّقس الَّذي هو خارج بيته ، فقد كان قرب نافذته شاشة كبيرة تبيّن حالة الطَّقس اليوميَّة ، فكان دائماً يعطي تعليماته لزوجته وأولاده إمّا بتخفيف ملابسهم وتخفيض التَّدفئة المنزلية ، أو بارتداء ثياب سميكة ورفع عدّاد التَّدفئة .
أراد اليوم أن يعرف ماذا عليه أن يتصرَّف ، نظر من النَّافذة فجحظت عيناه لما رأتاه .
يا للهول ! الحرارة ناقص عشرة تحت الصفر ، وأنا أقول في نفسي ما هذا البرد الشَّديد!  فطيلة الليل أرتجف حتَّى ظننتُ أنّني أعيش في القطب الجنوبي .
أسرع إلى جهاز التَّدفئة فرفع العدّاد إلى ذروته ، وتفقَّد نوافذ البيت فأغلقها جميعاً بإحكام ، ثمَّ اتّصل بمديره فأخذ إذناً مرضيّاً ، وأخرج من الخزانة مزيداً من الأغطية ، وطاف على أولاده فأثقل عليهم بها .
اِستيقظت زوجته على حراكه المستمر ، وكأنَّه يتأهّب لمعركة حامية الوطيس .
فسألته ما بك يا إبراهيم ؟ أراك متوتراً لاتكاد تهدأ !
عليك أن تضاعفي ملابسك ؛ فالحرارة في الخارج عشرة تحت الصِّفر أيْ باقٍ على تجمدنا بضع درجات ، والبرد – كما تعلمين – سبب كلِّ علَّة ، فحذارِ من الخروج اليوم وإيّاكِ أنْ توقظي الأولاد من أجل المدرسة .
الأولاد لديهم اليوم اختبارات مهمّة ، ثمَّ إنني لا أشعر بهذا البرد القارس كما تصفه !
فلْتذهبِ المدرسةُ والدِّراسة إلى الجحيم ؛  صِحّة الأولاد أهمُّ منهما ، ثمَّ من أين لك أن تشعري بالبرد وقد رفعتُ حرارة التَّدفئة في البيت إلى أعلى مستوياتها ، وأخرجت الدُّثر كلَّها !
وسحبها بيده إلى النَّافذة قائلاً : انظري إلى هذا الرَّقم الَّذي يجعل القلب يسقط بين الأقدام ، وتابع : يا لطيف ! هذا الرَّقم لو رأيته في الحلم لجعلني أتجمد !
حقاً – يا زوجي –  الجو بارد ولا يحتمل المخاطرة علينا اليوم أن نحتمي في بيتنا فالحرص واجب ، والحياة تهدى مرَّة ، فإن لم نحرص عليها أضعنا هذه الفرصة اليتيمة .
صدقتِ يا زوجتي ، لذلك أقول لك : لا ترسلي فلذات أكبادنا إلى مدارسهم .
تركتْه وعيناه مثبتتان على هذا المرقِّم ، وقد بدا عليهما الخوف ، وكأن وحشاً ضارياً سينقضّ عليهما
وذهبت إلى المطبخ لتعدَّ طعام الإفطار .
عادت بعد قليل وما زال نظره معلقاً على اللوحة الإلكترونية الَّتي تأبى الانخفاض رغم نظراته المهددة ، وقالت : نحتاج خبزاً فليس لدينا ما يكفينا اليوم .
اطبخي برغلاً أو أرزاً أو عدساً أو اخترعي أيّة وجبة ، فلن أخرج اليوم حتَّى لو سمعت أنَّ أبي خرج من قبره .
حسنٌ ، كما تريد .
بُعيد دقائق عادت إليه والحنق بادٍ بصوتها : موقد الغاز لا يعمل كم قلت لك سابقاً : إنَّه كثير التَّعطل وعليك إصلاحه ! كيف سأصنع الأكل ؟
لنصُم اليومَ أو نأكل أيّ شيء حتَّى خبزة الفأر إن وجدت ، المهمّ ألَّا نفتح الباب فلن أخرج كما أسلفتُ .
اِفعل ما تراه مناسباً ، تركته وهي حائرة بأمرها .
لحقها إلى المطبخ فوجدها  فتحت النَّافذة قليلاً .
صرخ بأعلى صوته : يا للهول ! أتريدي أن تقتلينا من البرد ! أم تريدي أن تتجمّد الدِّماء في عروقنا ! وأسرع إلى النَّافذة فأغلقها بصوت سمع صداه في أرجاء البيت وتابع : يا بنت الحلال البرد ليس معه لعب فكلّ ما في الدُّنيا يحتمل إلَّا البرد فهو والقبر سواء .
أغلقها كما تريد ولكني لا أشعر بهذا البرد الَّذي تقول عنه .
طبعاً لن تشعري فالنِّساء ناقصات عقل ودين ، عندما تمرضين في هذا الوقت فحسب تعرفين أنَّ الله حقٌّ ، وأنَّه كان عليك التصرّف بحكمة وحذر .
اِستيقظت الفتاة الكبيرة قائلة : صباح الخير يا والديّ ، أشعر بحرارة عالية في البيت ، فهل لي لي أن أفتح النَّافذة ؟
صرخ إبراهيم : توقّفي أيتها الصَّغيرة ؛ فالحرارة بالخارج تمنع الدِّماء من الجريان ، ولا يمكن لنا اليوم أن نخطو خطوة خارج باب منزلنا .
ولكني شاهدت منذ قليل جارنا أبي محمد عائداً وبيده سطل حليب .
هذا شأنه ، كلُّ إنسان حرٌّ بتصرفاته ومسؤول عنها ، المهمّ  علينا اليوم أن نحرص ونبقى في البيت ، ولا نترك فرصة للمرض بمداهمتنا ، واليوم لن تذهبوا إلى المدرسة أيضاً ، ولن تخرجوا إلى الشرفة ، ولن تفتحوا النَّافذة ولا الباب وعليكم أن تثقلوا في ثيابكم و… قبل أن يكمل قالت الأمُّ متضايقة : فهمنا القَّصة وحفظنا التَّعليمات ، ولن نحيد عنها ولو قيد أنملة ، ولتذهب المدارس إلى الجحيم كما قلت .
هدأ إبراهيم بعد أن سمع كلام زوجته ، واطمأنّ قلبه وبردت أعصابه فكلُّ شيء مسيطر عليه.
عاد إلى نافذته ليراقب هذه اللوحة الكريهة الَّتي يأبى عدادها النَّذل من التَّحرك والارتفاع ولو بدرجة بسيطة .
ولكنه شاهد شيئا جعله مندهشاً ، من هذا الرَّجل الواقف بجوارها ، ولم يحاول فتحها ! أيريد أن يسرقها أو يعطلها ! وإن سرقت فكيف لي أن أتدبَّر حياتي من دونها ! خاطر وفتح نافذته ومدَّ رأسه صارخاً على الرَّجل : ماذا تفعل؟
نظر إليه الرَّجل مستغرباً : وما شأنك أنت بما أفعله ؟
سأتصل بالشّرطة لأخبرهم عنك ، فالمرافق العامة ليست لعبة بيد من هبّ ودبَّ .
الله يعطينا خير هذا اليوم ، أنا موظف في دائرة الأرصاد وقد أتانا خبر أنَّ اللوحة معطلة ونريد أن نستبدلها .
آاااااه عفواً يا أخي ظننتك ستسرقها ، ولكن أليست الحرارة حقيقية ؟
يا لك من معتوه ألا تفرق بين الجو المتجمد والجو المعتدل ؟
الحرارة بالخارج سبعة فوق الصفر .
عفواً لم أنتبه كم كانت على اللوحة من قبل ، قال هذا حتَّى لا يحرج نفسه .
ترك النَّافذة مفتوحة وأسرع إلى جهاز التَّدفئة فوضع عداده على الجو المعتدل وفتح نافذة المطبخ وأيقظ بقية أولاده للذهاب إلى مدارسهم ، كلّ هذا والزَّوجة تنظر إليه بعين الاستغراب والدَّهشة .
ماذا جرى لعقلك يا إبراهيم ! منذ لحظات كنت تطلب منا أن نغلق الأبواب والنَّوافذ والآن تفتحها ! هل حرارتك مرتفعة وبدأت تهلوس ؟
لا أبداً يا زوجتي راجعت نفسي ووجدت أنَّ علينا أن نجهز أجسامنا لكلِّ الاحتمالات ، وأن نعودها على الطَّقس بحرّه وقرّه حتَّى تكون لنا أجسام تتأقلم مع كلّ الظروف .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

ذات صلة

الأصل المجهول

الأصل-المجهول إنها كارثة أهل سوريا ومصيبتهم. عائلة أتت من المجهول لتجعل حياتهم جحيماً. لم تكتفِ عائلة الأسد بسرقة أموال البلاد

تابع القراءة »