جدال أحذية
مكتب للزواج
القرين

لحظة طيش
 
 
 
تجاوز السِّتين من السُّنين وابيضَّ الأسود من الشَّعر وبدأت التَّجاعيد تظهر كحبال مرساة سفينة مرَّت فوق تلة رمل فأحدثت علامات فارقة، الأسنان منها ما تساقط، ومنها مازال صامداً، تنتظر أوَّل زلزال حتَّى تترك هذا الفم الَّذي أرهقها طيلة هذا العمر، العضلات بدأت بالضُّمور كلصٍّ يختفي وراء جُدرٍ بعد أن طاردته الشُّرطه. الظَّهر حاول الانتصاب واقفاً وبعد طول عناء أذعن لقرار عموده الفقري الَّذي خانه وأصبح ينحني رويداً رويداً، في كثير من الأحيان حاول ألَّا يستعمل النَّظارات إلَّا أنَّ العينين رفضتا أن تطاوعاه وأعلنتا إضراباً عاماً، بل وأقسمتا أنهما لن تستجيبا للأوامر حتَّى لو كلَّفهما أن تسقطا الجسد بحادث مفتعل. السَّمع بدا كأنَّه كره الأصوات كلَّها فلم يعد يستسيغ أيَّاً منها، فتركها وابتعد عنها أو لِنَقُل هي من ابتعدت عنه فدخلت العلاقة بينهما في نفق مظلم فلم يعودا يريان بعضهما البعض.
ارتدى طقمه البني أو الأزرق أو ربما يكون أسود اللون، فلم يعد للألوان طعم بعد امتزج بلون الجلد ورائحة الجسد، وقد كره صاحبه منذ متى لم يعد يعرف! وكم تمنَّى لو أنَّه بقي خيوطاً لمْ تنسجها يد الصَّانع!! أو تمنَّى لو أنَّه صُنع خُرقة لأجل أن تُمسح القاذورات بها وانتهى عمله وأُحيل على المعاش تقاعداً،وجلس في منطقة لا يحس بأنفاس الرَّجل فيها.
عندما أمسك الجوارب ليلبسها صرخت الفردة الأولى صرخة لو سمعها الإنس لسقطوا مغشيِّناً عليهم، آااااااه ياحظي التَّعيس أجابته الفردة الثَّانية كم أنا شقية!! وكم حظي تعيس!! أوَّل مادفع هذا الرَّجل ثمني توقعت أنَّي سأعيش طويلاً بشقاء وتعب.
أما الحذاء فقد تآخى مع ممسحته الَّتى مرَّت عليه آلاف المرَّات فأصبحا متلازمين كتوءمين لم يخرجا من بطن أمِّهما منذ الأزل.
بعد أن أمسك المشط القديم الَّذي كُسرت نصف أسنانه وبقيت الأخريات متماسكة كصخرة لم يبقَّ من جبلها إلَّا القليل من التُّراب. مرَّره على رأسه الَّذي نسى ما هو طعم الماء ولونه، وقد سُمع له صرير كصرير باب لم يفتح منذ أن أغلقه صانعه. أراد أن يخرج من بيته إلَّا أنَّه تذكَّر أنَّ عليه أن يلقي نظرة وداع على وجهه قبل أن يفارق منزله، نظر إلى المرآة وحاول النَّظر مراراً ولكنَّه لم يستطع أن يحدد قسماته، فتذكَّر أنَّ عليه أن يغسله، وكم تضايق من هذا الوجه الَّذي لا يستحي، فلقد أقسم في نفسه أنَّه قد غسله منذ أكثر منذ أسبوعا يا لطلبات هذه الأعضاء الَّتي لا تنتهي! قال بصوت مسموع حتَّى ينبههم، بعد أن غسله بقليل من الماء فالإسراف حرام والحرص واجب، أعاد النَّظر إلى المرآة وكمْ أصيب بالدَّهشة مرَّة أخرى عندما لمْ يجد أيّ صورة على سطح المرآة، احتار بأمره ثمَّ حكَّ رأسه فتساقطت منه كائنات غريبة لم يعرف ما نوعها وما عددها، ثمَّ هزَّ رأسه بعد أن وصلت المعلومة الصحيحة إليه، فالسَّبب كلُّه بهذه المرآة الغبية، ذهب إلى مطبخه الَّذي لم يعد يُعرف أهو مطبخ أم مَكبٌ للزبالة، وأتى بقطعة قماش وكأنَّها مسحت بها أوساخ المدينة لسنوات، مسحها فبانت من خلف الغبار قطعة زجاج كأنَّها عجوز دخلت سن اليأس منذ أن عُلِّقت بهذه المقبرة، فلم يكن يهمها إلَّا أن تبتعد عن هذا الرَّجل وتعيش حياتها بسلام. وما إن رأته المرآة حتَّى دعت ربَّها أن تقع الدَّار على رأسها لتحطمها إلى آلاف القطع.
بعد أن رأى شيئاً من وجهه على سطح هذه المرآة المسكينة، واِطمأنَّ على مستقبله وتسريحة شعره ظهرت عليه ابتسامة الرضى ثمَّ تحوَّلت إلى ضحكة عميقة، فقد رأى ما لا يراه النَّاس. خرج من بيته وما إن وصل إلى الباب الخارجي للبناية حتَّى لامس شاربه فقفل راجعاً مستنكراً معتذراً لشاربه لائماً نفسه على هذه الخطيئة الَّتي لا تغتفر، فكيف له أن ينسى الاهتمام به، فهو عنوان رجولته وأناقته، دخل بيته مسرعاً إلى المرآة الَّتي تنفَّست الصُّعداء عندما سمعت خطواته مبتعداً عنها، وعندما عاد أحست أن الدُّنيا أظلمت من جديد، سرَّح شاربه وتأمل هندامه وخرج ثانية وقد سكنت الثِّقة الكاملة في نفسه فمثله لم يخلق في البلاد.
 قرّر الرَّجل واسمه كريم أن يرفِّه نفسه فالحياة قصيرة ولن تدوم، لذلك أخذ هذا القرار الصَّعب فهو سيشتري ربع كيلو من الحلوى ويأكلها (وعمره ما حدى يورث) قال في نفسه،
مشى في الشَّارع برأسٍ مرفوع يضرب قدميه بأرضه وكأنَّ جيشاً عرمرماً قد أتى.
وصل إلى دكان الحلواني فقد كان قريباً من بيته، دخله وجال بنظره بين عشرات المعروضات من أنواع مختلفة من الحلوى، وكلَّما أُعجب بنوع معين نظر إلى تعريفة الأسعار فيخفق قلبه وكأنَّ ضارب طبل يسارع في ضرباته لأجل أن ينهي فقرته. أطال النَّظر إلى أن وقف بالقرب من سعر حلوى خمَّن أنَّه قد يكون مناسباً له.
أشار للبائع أنَّه يريد من هذا النَّوع.
أهلاً ياسيِّدي كمْ كليو تريد؟
كيلو هل جننت أيُّها الشَّاب! أتظنُّ أنِّي وحش لآكل هذا الكم من الحلوى!
 ياسيِّدي لم أقصد أنَّك ستأكلها بمفردك ربما يكون لك أسرة وأولاد.
بلا كثرة كلام انتهينا أريد ربع كيلو.
ربع كيلو؟ ولكنَّنا لا نبيع أقل من كيلو.
أعطني ربع كيلو قبل أن أخرب هذا المحل على رأسك ألَّا تعرف من أنا.
نظر الشَّاب إلى وجهه وهندامه وقال في نفسه، على ما يبدو أنَّ هذا الرَّجل أقرب للجنون منه للعقل، سأعطيه ما يرغب حتَّى دون مال.
حسناً ياسيِّدي لك ما تريد.
من الأوَّل أيُّها الشَّاب فالنَّاس مقامات وعليك أن تتعلَّم كيف تعامل أطياف الزَّبائن المختلفة.
كم السِّعر؟؟؟
مئة ليرة؟؟
أوووووووف ما هذا الغلاء؟ أتظنُّ أنَّك تبيع ذهباً !! عار عليك أيَّها الشَّاب أن تطلب هذا المبلغ.
حسناً ياسيِّدي كمْ تريد أن تدفع؟
لن أدفع أكثر من خمس وعشرون ليرة.
 حسناً اِدفع ما معك فلن نختلف٠
مدَّ يده إلى جيبه وحاول أن يخرج مالاً، طالما جلس مستريحاً في هذا الجيب ويأبى الحراك، وبين أخذ وردٍّ ومحاولات عدَّة لسحب المال، نجحت آخر المحاولات، ودفع المال آسفاً على هذا اليوم الَّذي على ما يبدو قد أخطأ التَّقدير فيه. صحيح أنَّه أراد أن يرفِّه عن نفسه ولكنَّه لم يظنُّ أنَّ دفع المال صعب لهذه الدَّرجة.
وما إن خرج كريم من المحل حتَّى حمد البائع الله وكأنَّه نجىا من مصيبة الموت.
أمسك كريم بعلبة الحلوى بكلتا يديه وبكلِّ قوةٍ  وكأنَّها ستفرُّ منه. ورجع إلى بيته وهو بغاية الفرح والسَّعادة، فقد بدأ ينسى طعم الحلوى فهو لم يتذوَّقها منذ زمن بعيد، ودائماً تراوده نفسه بها ولكنَّه يقمعها بحجة الإسراف.
وما إن اقترب من بيته حتَّى رأى أمَّ أحمد وطفلها الصَّغير باكياً وصوته يملأ الحي بالضجيج.
 خير خير، ما بال هذا الصَّغير يا أمَّ أحمد.
لاشيء يا جاري العزيز يريد قطعة حلوى من دكان أبي خالد ورفضت أن أشتريها له.
حلوى تساءل في نفسه: والله كنت مثل هذا الصَّغير قبل أن أشتري هذه العلبة، هل أُعطي قطعة لهذا الطَّفل أم أمشي في طريقي! ومالي ولهذا الطِّفل!!! له أمُّ فلتشتري له، ولكن قد لا تمتلك نقوداً لأجل الشِّراء! ممكن، ولكن هل أنا مسؤول عن أطفال العالم! يا كريم الخير يرتدُّ على أصحابه ولتكن اسماً على مسمى. ولكن والله إذا فتحت العلبة ستنقص قطعة فهل سأتمكَّن من فعل هذا العمل الخطر!
على الأغلب تستطيع، فخذ قرارك ونفذ.
وعندما بدأت أمُّ أحمد بالابتعاد نادها قائلاً: توقفي يا جارتي الطَّيبة فإنِّي أريد أن أعطي هذا الصَّغير قطعة من الحلوى.
لا لا، ليس ضرورياً وأشكرك على تعاطفك معي.
انتظري لقد فتحت العلبة وهي حلوى ذات طعم طيب.
أدخل يده وحاول أن يخرج أصغر قطعة ودفعها إلى الصَّغير وكأنَّه يعطيه قطعة من قلبه.
شكرته الأمُّ واِنصرفت.
يالي من كريم أهناك في العالم بأسره من يفعل ما فعلته!! أهناك في الدُّنيا من يملك قلباً كقلبي!
لا أظنُّ أنَّ في الكرة الأرضيَّة أكرم من كريم.
دخل بيته ووضع علبة الحلوى على الطَّاولة.
مدَّ يده ليأكل قطعة منها ولكنَّه لم يستطع، أحس أنَّه إذا أكلها ستنُقَص وتتلاشى بقيَّة القطع بسرعة أكبر، ولكنَّه خسر قطعة وما كان له أن يخسرها. لعن الله الشَّيطان ووساوسه، كيف فعلت فعلتي هذه! هل فقدت علقي للحظات! هل هناك عاقل في الدُّنيا يقوم بهذا العمل الأرعن!!
ترك علبة الحلوى وخرج هائماً على وجهه لايعلم ما عليه فعله.
اتَّجه إلى بيت أم أحمد، قرع الباب ردَّت عليه من الدَّاخل من الطَّارق؟
أنا جاركم كريم.
أهلاً بالسيِّد كريم ماذا تريد.
لا أريد شيئاً أردُّت أن اَطمأنَّ على الصَّغير هل أسكتته الحلوى.
أجل الحمد لله أكلها ونام.
وهل هي لذيذة؟
أجل أجل شكراً لك لقد وجد طعمها لذيذ.
لذيذة لاحول ولا قوة إلَّا بالله هو أكلها وسُرَّ بها وأنا ركبني الهمُّ كأن مصيبة نزلت بي.
ماذا تقول يا جاري؟؟
لا شيء لا شيء، أقول صحتين وهناء.
رجع إلى بيته وما زالت الوساوس تمنعه من أكل الحلوى أو حتَّى من النَّوم قضي ليلته نصف نائم بجانب العلبة التَّي غيرت حياته وجعلته متوتراً لايعرف ليله من نهاره.
وما إن بزغ الفجر حتَّى ذهب راكضاً لجارته وقد رآها على شرفة منزلها تنشر الغسيل، وقبل أن يسلَّم عليها سألها عن صحة الطِّفل وكيف كانت ردَّة فعله عندما استيقظ صباحاً.
أجابته والغضب في داخلها بكلِ احترام أن الطِّفل لم ينم بهناء كتلك اللَّيلة، أرادت أن تصرف هذا الغليظ عن حياتها بالحسنى.
حرَّك كريم شفتيه والغيظ يأكله مخاطباً نفسه: هذا الولد أكل من الحلوى التَّي دفعت ثمنها من دم قلبي ونام، ويمكن أنَّه بسبب هذه القطعة قد شفي من أمراض كثيرة، وقد تكون أمُّه قد أكلت قضمة هي الأخرى، ونالها مانال الصَّغير من العافية، وأنا صاحب الكرم واليد الطولى في صرف المال والإسراف لم أستطع إلى الآن أن آكل من هذه الحلوى، رجع متحسراً نادماً على مافعله من حسن خلق ورحابة صدر،
دخل المنزل وأصبح ينظر شزراً إلى علبة الحلوى الَّتي مازال منظرها كعروس بكرٍ لابسة ثوب زفافها الأبيض، بكر من أين لها أن تكون بكراً وقد امتدَّت إليها يد هذا الشَّيطان الصَّغير هكذا قال في نفسه، وتابع: حقيقة على الإنسان ألَّا يتسرع حتَّى لا يحصد النَّدامة، لحظة طيش أعمت قلبي جعلتني متحسراً وربما تدوم هذه الحالة إلى نهاية حياتي، آاااااااه لو اِستطعت أن أدخل يدي إلى هذا الصَّغير لأسترد حقِّي، ولأرجعه إلى هذه العروس لتبقى بِكراً. حملها ووضعها بخزانة الألبسة زيادة بالحرص، وأقسم أنَّه لن يسمح لمخلوق أن يراها أو أن يَشمَّ رائحتها وأقفل الباب ورجع يجلس إلى نافذته يراقب الطَّريق أملاً منه أن يرى ذلك الطِّفل الَّذي أغدق عليه العطاء، وما إن شاهده خارجاً مع أمِّه حتَّى فتح بابه وانطلق مسرعاً.
هيه هيه أيها الصَّغير.
اِلتفت الأمُّ وصغيرها قائلة: الله يعطينا خير هذا الوقت ما بالك أيها الرَّجل العفن؟ أتظنُ أنَّك فعلت شيئاً يجب أن تذكره صفحات التَّاريخ؟ أتحسب أنَّك رزقتنا وأحييتنا بهذه القطعة النَّتنة من حلواك، وأنا لأجل ألَّا أكسر خاطرك لم أقل لك بأنّنا رميناها بالزِّبالة، أتعرف أنَّ الحيوانات تأبى أن تأكل من هذه المسماة حلوى.
أوف أوف ألهذه الدَّرجة هي سيئة قال كريم.
بل وأكثر، ولكنك أنت أسوأ منها، ابتعد عني أيُّها المتطفل البخيل وأريد أن أقول لك ما في قلبي منذ زمن.
هل تنظر في المرآة أم أنَّها هربت من بيتك؟
يا رجل وقد أكون قد أخطأت التَّعبير بعد أن وصفتك بالرَّجل، انظر إلى حالتك وملابسك ولون وجهك على ما يبدو أنَّك لم تأكل الطَّعام ولم تغيِّر ملابسك منذ قرون اِذهب أوَّلاً أشبع بطنك الجائعة التَّي نسيت كيف تهضم الطعام.
الله يرضى عليك حلّ عني وعن ابني وسأشترى لك طناً من الحلوى بدل من قطعتك العفنة. وتركته غاضبة بعد أن عرَّته أمام نفسه وأعلمته بحقيقته، وقد كان يظنُّ منذ لحظاتٍ قليلةٍ أنَّه ملك الرِّجال والكرم.
رجع ثانيةً إلى بيته خائب الأمل بنفسه وقدراته وجماله وأناقته.
ركض إلى الخزانة وفتحها مسرعاً وأخرج علبة الحلوى الَّتى أصبحت برأيه عجوزاً شمطاء لا تصلح لزواج أو حتَّى لمصاحبة، وفتح شباك بيته ورماها غير آسف عليها، ورجع إلى تخيلاته وأحلامه بأنَّه خير من مشى على الأرض.
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.